كتاب وأراء

ثلاث تجارب.. درس وعبرة

نـزار عــابــديــن
كاتب سوري
في عام 1924 أُقيم حفل بأحد كازينوهات الإسكندرية أحياه محمد عبد الوهاب وحضره رجال الدولة والعديد من المشاهير، منهم أحمد شوقي الذي طلب لقاء عبد الوهاب بعد انتهاء الحفل، ولم ينس عبد الوهاب وذكّر أحمد شوقي بمنعه من الغناء وهو صغير، وأكد شوقي له أنه فعل ذلك خوفاً على صحته وهو طفل.
كان محمد عبد الوهاب يغني بين فصول المسرحيات باسم محمد البغدادي، ورآه أحمد شوقي، فطلب من «حكمدار» القاهرة منع هذا الصبي من الغناء، وانصرف الصبي إلى دراسة العزف، ومعرفة الموسيقى، لكن شوقي تبناه بعد 1924 وفتح له الأبواب على مصاريعها، وعلمه كيف يكون من الطبقة الراقية.
في أربعينات القرن الماضي كان شاب صغير اسمه صباح الدين أبو قوس يغني في حلب، ورآه وسمعه شيوخ الطرب من أمثال الشيخ علي الدرويش والشيخ عمر البطش ومجدي العقيلي وعزيز غنام. أعجبهم صوته، ولكنهم خافوا عليه، فمنعوه من الغناء، ووجهوه إلى دراسة الموشحات والإيقاعات والمقامات والقصائد والأدوار والعزف على العود، والأهم إلى قراءة القرآن الكريم والشعر العربي، ودفعوه إلى معهد الموسيقى العربية، وعندما نضج أطلقوه في عالم الغناء، والتقى بالزعيم السوري ذي التوجه القومي فخري البارودي، فأعطاه اسمه، وعرفنا صباح فخري.
في أواخر ستينات القرن الماضي وأوائل سبعيناته، كنا نمر بالقرب من أحد الكازينوهات في دمشق ونقرأ لافتة تقول «الطفل المعجزة فلان الفلاني» (لن أذكر الاسم ولكنكم ستعرفونه) وكبر الطفل في أجواء الكازينوهات مع كل ما فيها من موبقات، ولم يعد معجزة، بل سار في دروب أخرى، وصار فيما بعد مغنياً مشهوراً، مع أن صوته صار كما قال ابن الرومي «كأن في حلقه شعيراً يجش» (أي يجرش) ولعله لو قيض الله له رجلاً يفعل ما فعله أحمد شوقي مع محمد عبد الوهاب، أو ما فعله شيوخ حلب مع صباح فخري لكان له شأن آخر
في 13 من شهر فبراير كتبت عن الجريمة المستمرة وضحاياها الأطفال والمتمثلة ببرنامج The Voice Kids وما تفعله هذه المحطة، وأرى أنها تشبه ما فعله الكازينو بذلك «الطفل المعجزة»
في الدول المتقدمة يفرضون على التلاميذ حتى الصف التاسع دراسة الموسيقى دراسة أكاديمية، وعلى كل تلميذ وتلميذة إتقان العزف على آلة موسيقية واحدة على الأقل، وبدءاً من الصف العاشر يمكنه أن يعزف على أكثر من آلة، والتلميذ بعد تخرجه في نهاية الثانوية حر في أن يسمع ما يريد لكنه يكون مزوداً بثقافة موسيقية ليست بسيطة ليحكم ويقرر، من الغناء الريفي إلى الكلاسيك والأوبرا.

نزار عابدين