كتاب وأراء

هل الوقت ملائم؟ تحديد الأجور وانخفاض إيرادات النفط

في هذا الجزء الثالث والأخير نحاول أن نوضح أن الحد الأدنى للأجور لن يكون له تأثير على عجز الميزانية في الدول الخليجية وبخاصة في ظل أزمة انخفاض أسعار النفط. ذلك أن وضع حد أدني للأجور لا يتوقع أن يؤثر في عجز الميزانية حيث إن القطاع الذي ستنطبق عليه زيادات الأجور هو في الغالب القطاع الخاص والذي تمثل العمالة الوافدة فيه 95 % من اجمالي العمالة. أما القطاع الحكومي فإن معدلات الأجور فيه لن تتأثر كثيراً.
ولعل هذا التأثير يعد مرغوباً فيه حيث يمكن أن يؤدي وضع حد أدنى للأجور إلى توجه المواطنين غير المتعلمين وأصحاب المهارات البسيطة بشكل أكبر ناحية القطاع الخاص للعمل به. هذا وتشير الدراسات الاقتصادية الحديثة في هذا الشأن أن رفع الحد الأدنى للأجور في بلد مثل «المجر» التي ضاعفت هذا الحد في الفترة من 2000 إلى 2002 جعل رب العمل يتحمل 20 % فقط من هذا الارتفاع في الأجور أما الباقي (80 %) فلقد تحمله المستهلك في صورة ارتفاع أسعار السلع التي ينتجها هؤلاء العمال.
ومما تجدر الإشارة إليه أيضا في هذا المجال أن عجز الميزانية الموجود في دول الخليج على سبيل التحديد يختلف بدرجة كبيرة عن عجز الميزانية الموجود في الدول الأخرى سواء كانت متقدمة أو نامية وذلك من النواحي التالية:
1– إن الخطر الأساسي الذي ينجم عن عجز الميزانية أو بمعنى أصح (الدين العام) هو كيفية تمويل هذا الدين. إذا كان التمويل خارجياً أي بوساطة قروض أجنبية، فهذا معناه أن الدولة ترهن مواردها وفي بعض الأحيان تبيعها (لصالح الدول الأجنبية المقرضة. أما إذا كان تمويل الدين العام داخلياً أي بوساطة السحب من مدخرات (فوائض) سابقة أو بوساطة قروض من بنوك وأفراد محليين، فإن التأثير لا يكون ضاراً بالضرورة ويترتب عليه إعادة توزيع الدخول بين أفراد المجتمع الواحد. ومن ثم التأثير يكون توزيعياً بالمقام الأول. ومن ثم نلاحظ أن الدين العام الموجود في دول الخليج يتم تمويل الجزء الأعظم منه محلياً ومن ثم لا يترتب عليه كل الآثار الضارة التي يتم التهويل فيها في الكتابات في هذه الأيام. وللأسف الشديد فإن عدم وجود بيانات دقيقة لا يمكن من التقدير الكامل عن نسبة الدين الخارجي إلى المحلي ولكن الأغلب أنه لا يتعدى عشرة بالمائة من إجمالي الدين. نلاحظ في دولة أخرى متقدمة فإن النسبة تتعدى خمسين وأحيانا ستين بالمائة ولا يعتبرونها ضارة إلى مثل هذا الحد.
2 - إن عجز الميزانية ناشئ بالمقام الأول في دولة مثل الكويت أو السعودية عن تحديات وأزمات خارجية من الصعب بمكان السيطرة عليها ( انخفاض سعر النفط) وتشبيهها هنا بمن تعرض لحادثة أتلفت سيارته وجزئا من منزله وذلك أمر وارد من حيث الحجم والتناسب. ولذلك إذا سحب هذا الفرد من مدخراته بالبنوك والتي كان يخصصها لأولاده من بعده لترميم منزله وإصلاح سيارته فهذا أمر مرغوب فيه والقضية هنا ألا يعوض سيارته بسيارة أفخم وأحدث حتى لو أقتضى الأمر سحب كل المدخرات والاقتراض من البنوك، هذا كما أن إعادة ترميم المنزل يمكن أن تأتي بفائدة لو تم عمل منافذ للمنزل وإعادة دهانه ليعود أكفأ وأجمل مما كان. والأمر نفسه بالنسبة للسيارة التي يمكن تعويضها بواحدة أكفأ وأكبر سعة وربما تكون بأقل سعر من سابقتها بل ويمكن استعمالها في العمل بالإضافة إلى التنزه. والعبرة بهذه التشبيهات أن يعود من أصابته الأزمة إلى سابق عمله بشكل أكثر جدية وكفاءة ليعوض خسارته والا يجلس إلى جانب منزله يندب حظه العاثر.
ومن ثم فإن الخلاصة في هذا الأمر أن تحديد حد أدنى للأجور ليس بالسوء الذي يمكن أن ينظر إليه البعض في ظل ظروف عجز الميزانية، هذا كما ان الأخير على اطلاقه قد ينتج عنه منافع على المستوى القومي إذا أحسن استخدام السياسات المالية والنقدية المعالجة له.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي