كتاب وأراء

عن الشعبوية والنخب السورية

رشا عمران
كاتبة سورية
مشكلة بعض النخب السورية أنها تحدد موقفها من كل الأحداث العالمية المهمة، بعد 2011 بناء على الحدث السوري فقط، وكأن ما يحدث في سوريا معزول عما يحدث في العالم، وكأن سوريا تعيش في فقاعة مغلقة لا تتأثر بالعوامل الخارجية، ينسى هؤلاء أن تعقيد الوضع السوري أساسا قائم من موقع سوريا وسط بؤرة جغرافية كانت منذ زمن طويل مناسبة لتبادل المصالح الدولية!
فمن جهة هناك تركيا ورغبتها في التوسع بالشمال السوري، ولديها من جهة أخرى العراق بتركيبته الحالية المعقدة، وقابلية انفجار الوضع الداخلي فيه في أية لحظة، والحلم الإيراني بأن يبدأ نفوذ إيران من العراق مرورا بسوريا حتى لبنان،الذي يشكل هو أيضا قنبلة موقوتة انفجارها سيطال سوريا أولا، وهو ما يحصل حاليا في أزمتها الاقتصادية المهولة، عدا عن تركيبته الطائفية التي تسغل بشكل متطرف في الصراع السوري.
وهناك من جهة أخرى إسرائيل، والتي لولاها لما بقي النظام السوري حتى الآن، رغم كل جرائمه، والتي على ما يبدو كانت تستعد لإعلان الوصول إلى اتفاقية مع النظام السوري مشابهة لما حدث مؤخرا مع بعض الدول العربية، مقابل إعادة العلاقات بين هذه الدول والنظام السوري، وهو ما كان يسعى إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وهناك النفوذ الروسي في سوريا، العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي، بتحالفاته وصراعاته التي أصبحت الأرض السورية مركزا لها، بحيث تبدو سوريا اليوم وكأنها واقعة تحت الوصاية الروسية بموافقة دولية شبه كاملة، لولا ما يسرب عن صراعات روسية إيرانية، تظهر في الخلافات في بيت النظام السوري نفسه، بين حلفاء روسيا وحلفاء إيران.
كل هذا الوضع القلق الذي تعيش فيه سوريا مضافا إليه وضع اللاجئين في المخيمات في الدول القريبة، وانهيار الوضع الاقتصادي في الداخل السوري، وفلتان الوضع الأمني، ودمار أكثر من 70% من سوريا، وملف المعتقلين الذي يعتبر واحدا من أكثر الملفات السورية إلحاحا، وملف المطلوبين الذين لا يتمكنون من العودة إلى بلدهم، وملف المصالحات والاغتيالات التي تطال شخصيات وطنية بعد المصالحات، وملف إعادة الإعمار، وملف لجنة المفاوضات واللجنة الدستورية، وملف قيصر والعقوبات التي تطال أركان النظام، وملف مؤسسات المعارضة بارتباطاتها بأجندات الدول اللاعبة بالقضية السورية.
مع كل هذا الوضع المرتبط بكل مافيه بالسياسة الدولية والعالمية هناك نخب سورية لا تستطيع التفاعل مع الأحداث العالمية إلا من زاوية حادة وضيقة: ثأر شخصي من النظام السوري ومؤيديه، أو ثأر شخصي من الثورة ومؤيديها! في حين يفترض بالنخب ( السياسية والثقافية والفنية) أن تمتلك رؤية شاملة لكل ما يتعلق بسوريا ويرتبط بها، الرؤية التي تدرك أن سوريا ليست مركز الكون بالنسبة لصانعي القرار في السياسة الدولية، وأن الحل السوري لن يأتي مفردا، بل سوف يأتي بسلة واحدة مع كل ملفات المنطقة المحيطة بسوريا، هذا ما أوضحته السنوات العشر السابقة بكل ما حدث خلالها من أحداث مهولة جعلت المنطقة كلها، بل ربما حتى جزءا كبيرا من العالم، يعيش وسط حقل الغام قد ينفجر في أية لحظة!
من هنا ربما يبدو من المعيب لنخب سوريا أن تؤيد شخصية موتورة وعنصرية وشعبوية بفجاجة مطلقة، وكارهة لكل من هم لا ينتمون للعرق الأبيض (المتفوق) لاسيما الأميركي، والكارهة للنساء والمعادية للمهاجرين، والتي لا ترى في العرب، جميعهم، سوى مجموعة من الهمج ينبغي على الحكومة الأميركية التلويح لها بالعصا، أو مجموعة من الدول الثرية التي ينبغي للحكومة الأميركية أن تسحب منها المال والقرار والسيادة، عدا عن سياساته الرعناء فيما يتعلق بالقرارات الدولية بشأن المناخ والتي من شأنها تدمير كوكب الأرض فعلا، كيف يمكن لمن يحسب نفسه على النخب تأييد شخصية مثل ترامب (الرئيس السابق للولايات المتحدة الأميركية)، بذريعة أن ترامب هو عدو إيران المؤيدة للنظام السوري! متناسين أن سياسة ترامب معادية لكل من يخالف أوامر (السيد الأبيض)، من جهة، ومن جهة أخرى أن الولايات المتحدة الأميركية دولة مؤسسات أولا وأخيرا وسياساتها الخارجية تضعها تلك المؤسسات، وأن ما حاوله ترامب هو إلغاء دور هذه المؤسسات، ليكون هو مصدر القرار الوحيد، في سياسة تشبه كل ما كان الربيع العربي ضده من ديكتاتورية واستبداد بالقرار وبالسلوك، وتحويل الدول من جمهوريات إلى مزارع والشعوب إلى عبيد.
غير أن الشعبوية تبدو مغرية، وهو ما اعتمدته الكثير من النخب السورية في سلوكها تجاه القضية السورية، متجاهلين أثرها التدميري بعيد المدى، فللنخب متابعون ومريدون، خصوصا على وسائل التواصل، الشعبوية تزيد من المتابعين المتأثرين بطروحات النخب من العامة والمراهقين الباحثين عند النخب عما يفترض أنه إجابات لأسئلة مطروحة في زمن صعب ومعقد، بيد أن ما يهم هذه النخب على ما يبدو هو عدد المتابعين، أما تكريس وعي مختلف وجديد ويخدم القضية السورية فيبدو أنه ليس في وارد هؤلاء، وهو ما كان دائما أحد سبب هزيمة الثورة السورية.

رشا عمران