كتاب وأراء

.. بل ممالك جنة «2-2»

عبد الله رضوان
كاتب تركي
بعد انتصار السلطان سليم المدوي على الصفويين في معركة جالدران عام 1514 ودخول عاصمتهم تبريز، صدم السلطان سليم بوثائق تدل على تحالف بين الصفويين والمماليك حيث قام «جهاز أمن الدولة العثمانية بضبط رسائل بين المماليك والصفويين تدل على وجود تعاون ضد الدولة العثمانية..نعم إنها الخيانة، فكيف للمماليك أن يتحالفوا مع الصفويين الذين يخضعون لأوامر البرتغاليين؟!!! وكيف للمماليك أن يتنكروا للمساعدات العسكرية التي قدمها السلطان بايزيد من قبل من أجل مواجهة البرتغاليين؟ !!! يشعر السلطان سليم بخيبة الأمل كيف لا؟ وهذا خنجر المماليك يطعنه في الخاصرة.
والسؤال المطروح هل كانت تلك الخيانة هي الدافع الوحيد لمواجهة المماليك ؟ بالطبع لا، فقد جاء الظلم الذي مارسه المماليك على أهل الشام ومصر ليسرع من قرار الحرب ضد المماليك، فقد أصبح الظلم العنوان العريض لدولة المماليك، لذلك توجه العلماء والأشراف والقضاة في حلب بخطاب إلى السلطان سليم يضجون فيه من جور المماليك الذين أخذوا بمخالفة الشرع الحنيف، وقد طلبوا من السلطان سليم أن يرسل لهم رسولا من عنده ذا ثقة يقابلهم سرا ويعطيهم عهد الأمان حتى تطمئن قلوب الناس، وقد أكد الدكتور مجد حرب في كتابه «العثمانيون في التاريخ والحضارة» على وجود وثيقة في الأرشيف العثماني في متحف طوب كابي في إسطنبول رقم [634 11 (26)] بهذا الخصوص وهذه ترجمتها «يقدم جميع أهل حلب، علماء، ووجهاء، وأعيان وأشراف وأهالي، بدون استثناء طاعتهم وولاءهم لمولانا السلطان عز نصره وبإذنهم جميعا كتبت هذه الورقة لترسل إلى الحضرة السلطانية العالية... وليعلم مولانا السلطان أن الشرعية الإسلامية لا تأخذ مجراها هنا، وهي معطلة، إن المماليك إذا أعجبهم شيء ليس لهم يستولون عليه، سواء كان هذا الشيء مالا، أو نساء، أو عيالا، فالرحمة لا تأخذهم بأحد، وكل منهم ظالم، وقد أظهروا لنا العداء وتحكموا فينا».
نعم إنها رسالة الاستغاثة من أهل الشام لتخليصهم من ظلم وعسف وجور المماليك... وكان لا بد من تلبية النداء وإغاثة المظلومين فكانت معركة (مرج دابق)عام 1516 شمال حلب حيث حلت الهزيمة بالمماليك ومقتل قانصوه غوري الشركسي سلطان المماليك على يد السلطان سليم، وهكذا فتحت أبواب الشام أمام السلطان العثماني فأقام العدل وأكرم العلماء، وأمر بترميم المسجد الأموي في دمشق الذي كاد أن يتداعى من الإهمال ونعم الناس بالأمن والرخاء في زمانه. لقد ذهب السلطان سليم إلى مصر ليخلص الشعب المصري من ظلم المماليك ثم ليبسط حمايته على المدينة المنورة ومكة حيث البرتغال يسيل لعابهم للسيطرة على هاتين المدينتين المقدستين... نعم لقد طمح السلطان سليم في تكوين جبهة تمتد من إسطنبول إلى الشام فمصر ضد الصليبيين الذين لا يفترون في تدبير المكائد في الليل والنهار للنيل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. يسير السلطان سليم نحو مصر، وحقنا للدماء يعرض على المماليك الصلح بشرط أن يعترفوا بسيادة الباب العالي على مصر، ولكن السلطان المملوكي الجديد (طومان باي) الذي عين بعد مقتل قانصوه غوري يقوم بارتكاب حماقة دبلوماسية حين أهان رسل السلطان سليم، وفي معركة [الريدانية] عام 1517 كان رد السلطان سليم الحاسم حيث وقعت الهزيمة الساحقة بالمماليك في مصر. والسؤال المطروح كيف عاش أهل مصر في كنف السلطان سليم؟ وكيف سار فيهم؟ هل كان الظلم مخيما عليهم كما صور في المسلسل أم أن الأمان والعدل والسلام قد حطوا رحالهم في أرض الكنانة؟ وهكذا طويت صفحة المماليك وأصبحت بلاد الإسلام موحدة خاصة بعد مبايعة أمير مكة والمدينة للسلطان سليم، ثم يأتي تنازل الخليفة العباسي الذي لا يملك ولا يحكم عن الخلافة للسلطان سليم لينعم العالم الإسلامي بالقوة والأمان.... نعم لقد بسط السلطان سليم حمايته على الحرمين بعدما أصبحت مصر ولاية عثمانية وهذا ما جعل الصدمة تأخذ بمجامع قلوب البرتغاليين والأسبان وكانت المفاجأة المذهلة عندما حرم السلطان سليم ومن بعده سلاطين آل عثمان على البرتغاليين والأسبان دخول البحر الأحمر لأكثر من (300) سنة. هذا هو السلطان سليم الذي أرادوا تشويه سيرته وما كان ذنبه إلا أنه حمى المقدسات الإسلامية، ونعمت ممالكه بالأمان والرخاء والاستقرار فكانت بحق ممالك جنة، وليسمح لي فريق عمل مسلسل (ممالك النار) أن أهمس لهم: إن اليهود والنصارى لو علموا أن رجلا حمى قبر عيسى وموسى لحشدوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا من أجل إعلاء سيرة ذلك الرجل وتخليد ذكراه، فما بالكم أنتم تريدون اغتيال سيرة رجل حمى الكعبة وقبر سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم من قرامطة الصليبيين؟

عبد الله رضوان