كتاب وأراء

.. بـل ممـالـك الـجــنـة «1-2»

عبد الله رضوان
كاتب تركي
«إن هدفي من إنتاج مسلسل «ممالك النار» هو إفشاء أسرار تاريخ إدارة الدولة العثمانية المليء بالوحشية»..
كانت هذه كلمات منتج مسلسل (ممالك النار) الذي نفخ الشيطان في أنفه فجمع هو ومن معه مكر الليل والنهار الذي تزول منه الجبال... يستحضرون التاريخ ليشوهوا سيرة رجل التقت في كفه أطراف دنيا الإسلام حيث الشام ذات الأعناب والعراق ذات النخيل ومصر ذات النيل والحجاز ذات المقدسات وإسطنبول ذات القباب والأبراج.. نعم أرادوا تشويه سيرة رجل عاش حياته على صهوات جواده مجاهداً تحت شمس الهاجرة ووسط برد الليل ليذود عن حياض المقدسات الإسلامية حيث يتوق البرتغاليون والأسبان للوصول إلى المسجد الحرام لهدم الكعبة ونبش قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرقة جسده الطاهر.
فهل عرفتم من هذا الرجل الذي رصدوا لتشويه صورته أكثر من ثلاثين مليون دولار ؟... إنه السلطان سليم يا سادة... بطل من أبطال أمة محمد، رجل اسمه ملأ الأسماع وخفقت راياته فوق مليار فدان من الأرض في القارات الثلاث....
جده السلطان محمد الفاتح صاحب بشارة رسول الله في فتح القسطنطينية «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش».
نعم يا سادة، إنما حرب الدراما التي أشعلتها محطة mbc محاولة حرق المشهد الثقافي التركي الذي أبهر العالم بمسلسلي «أرطغرل» و«السلطان عبدالحميد» حيث وصل توزيعهما إلى 160 دولة، فما كان من أولئك الحانقين على الموروث العثماني إلا أن تنادوا ورصدوا الأموال وحشدوا الكوادر ليرسموا صورة السلطان سليم كما أرادها الإنجليز حينما لقبوه بـ «سليم العابس» وكما أرادها الفرنسيون حينما لقبوه بـ «سليم الرهيب»، وهنا أتوجه بالسؤال إلى القائمين على هذا العمل: لصالح من تحاولون أن تذروا الحقد بين العرب والأتراك؟ وهم ينتمون إلى كتاب واحد اسمه القرآن وإلى دين واحد اسمه الإسلام وقد سجلهم الله من فوق سابع سماء في سجل النفوس الإلهي «إنما المؤمنون إخوة»، وحبذا لو صرفت هذه الملايين على إنتاج ما يعزز تلك العلاقة بين العرب والأتراك فما أحوجنا إلى الاتحاد كيف لا ؟! والعالم يذهب نحو التكتلات الكبرى ولكنكم أبيتم إلا ان تزوروا الحقائق وتلفقوا الأباطيل وتشوهوا سيرة هذا الرجل المجاهد فتخرجوه متوحشاً سكيراً، وأعتقد جازماً أنكم كنتم خير تلاميذ بررة للمستشرق كارل بوركلمان وهو يصف السلطان سليم بقوله: «وقد اشتهر السلطان سليم باسم السكير».
وأنا هنا لا أريد أن أتوقف عند الأخطاء الفنية في مسلسل «ممالك النار» وما أكثرها حيث ظهر المصحف مطبوعاً في يد (طومان باي) ولو أن فريق العمل كلف نفسه وبذل بعض الجهد لعرف أن مصر في ذلك الوقت لم تعرف الطباعة، ولا عند المشاهد المسروقة من الأفلام كما سرق مشهد شنق طومان باي حرفياً من مشهد فيلم عمر المختار، ولا عند هوية المخرج البريطاني الذي نستطيع أن نضع إلى جانب اسمه إشارة الاستفهام، نعم أرادوا أن يزاحموا مسلسل أرطغرل ويحاربوا صورة التركي المسلم ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً... فهذا الوطن العربي كله والعالم الإسلامي يتغنى بقيم هذا المسلسل وهؤلاء الأطفال في كل أصقاع الأرض يحاولون تجسيد شخصية أرطغرل في لعبهم وهم يمتشقون سيوفهم الخشبية، ولكن من يذكر مسلسل «ممالك النار» الذي رصدوا له من الأموال كل ما يستطيعون لتشويه صورة رجل كان أعجوبة في الذكاء والدهاء والعبقرية؟ وإني لأدعو المنصفين من أهل الحقيقة أن يقلبوا حياة هذا السلطان صفحة صفحة.... وأنا على يقين أنهم لن يجدوا إلا رجلا بنى الممالك وأقام شرعة السماء وبنى الحياة على أشلاء الموت حين وحد الأمة وأقام العدل والأمن وأعز الصالحين وقهر الطغاة المتجبرين ودافع عن ثغور الأمة وترك آثارا على الأرض... نعم ارجعوا إلى من شئتم من المؤرخين فسلوهم ما خبره ؟ ولطالما حاول فريق العمل أن يثير السؤال الأضخم والعريض وهو كيف للسلطان المتوحش سليم أن يهاجم المماليك في الشام ومصر؟ وبأي حق يغزوهم هذا المتعطش للدماء، ولترسيخ تلك الصورة المشوهة حاولوا أن يذروا الرمال في العيون فجلبوا التاريخ المبتور والمزورليقدموا لنا جرعات من المشاهد المشحونة بالكذب، فقلبوا الحقائق وجعلوا التاريخ ينطق بما لم يقله...ويقينا إن كذبكم لاينطلي إلا على رجل ساذج لم يعرف لقراءة التاريخ سبيلا... واسمحوا لي أن أرد عليكم مستندا إلى أقوال أهل التاريخ وشهادات كبار الباحثين في الحقل التاريخي.
وقبل أن أسألكم ذلك السؤال وأتمنى أن أجد له إجابة لا بد أن يعرف القارىء ما كان يحاك لهذه الأمة من العدوالخارجي، حيث القائد الصليبي البوكيرك البرتغالي يصرح أمام أتباعه: «إن هدفنا الوصول إلى الأماكن المقدسة للمسلمين واقتحام المسجد النبوي، وأخذ رفات النبي محمد، لنساوم عليها العرب من أجل استرداد القدس». أضف إلى ذلك طموحهم في نشرالنصرانية ونهب ثروات الشرق، ألم يصرح ملك البرتغال مانويل الأول بذلك معلنا أهداف الحملات البرتغالية ضد المسلمين: «إن الغرض من اكتشاف الطريق البحري إلى الهند هو نشر النصرانية والحصول على ثروات الشرق».
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين المماليك من كل هذه المؤامرات التي كانت تحاك ضد هذه الأمة؟ هذا ما سيجيبنا عنه الباحث أحمد سيد دراج في كتابه «دراسات في التاريخ المصري» «أما موقف المسلمين من هذا الغزو الغاشم فقد كان المماليك آنذاك في موقف لا يحسدون عليه، حيث أصابهم الوهن الاقتصادي والسياسي، وانشغل السلاطين بمشاكلهم الداخلية».
نعم لقد شغل المماليك عن التصدي للمطامع الأوروبية ولكنهم لم يشغلوا في التآمر على الدولة العثمانية حيث عقدوا الاتفاقات السرية مع الشاه إسماعيل صاحب الدولة الصفوية الذي كان خنجرا في ظهرالدولة العثمانية ويتمنى زوالها.

عبد الله رضوان