كتاب وأراء

الأعــمــدة الثــلاثــــة والتغـيـيـر الفـعــال

يحلم كل واحد فينا بالتمتع بحياةٍ أفضل يحسّن خلالها من مساره الوظيفي ويرتقي بأهدافه وعلاقاته، لكن هل يكفي أن يحلم المرء لينال مبتغاه ويحقق أمنياته؟
إن لقوانين الحياة سنناً راسخة وأساسيات تبين لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن النجاح لا يتأتى إلا بقرارٍ تتخذه وتشكل به مساراً جديداً تعمل عليه طوال حياتك بعزم وإصرار وانضباط ذاتي لا يعرف انقطاعاً ولا تهاوناً.
فعندما توجه قراراً ناحية هدفٍ محددٍ، فإنك تضيف لبنةً جديدةً إلى بنيان وجودك؛ لا سيما إذا أتبعت القرار بتغيير لنمط تفكير ونظرتك إلى الحياة، والعمل على تطوير مهاراتك وخبراتك وتعديل قناعاتك تجاه المواقف والتحديات؛ أي الارتقاء بذاتك.
إن الإنسان الذي يؤمن بذاته ويستخرج من داخله النفائس الثمينة، يغدو سبيل تحقيق الأحلام أمامه كأنه طريق مفروشة بالورود رغم الأشواك التي تملأ جنباته، فالعراقيل في وجه العظيم ضئيلة، أما ضعاف الأنفس فتغدو الحجارة الصغيرة بالنسبة لهم كأنها جبال شاهقة يصعب صعودها أوتجاوزها.
من نواميس الكون الثابتة أن الإنسان قادر على تشكيل حياته كما يشاء ما دام عازماً على بذل كل ما يلزم في سبيل أهدافه، وطالما استطاع إخراج الطاقات الدفينة المخبوءة داخله، وهذه هي المهمة الأصعب على الإطلاق، وهي اكتشاف شغفك وسبر أغوار الذات وصولاً إلى حيث تكمن قوتك الحقيقية ومواهبك الفطرية ونقاط قوتك التي يمكنها أن تعينك في طريقك نحو النجاح.
ولتعلم، عزيزي القارئ، أن في حياة كل منا ثلاثة أعمدة تحدد أمامنا النقطة التالية التي نستطيع بلوغها. أولى هذه الأعمدة تتمثل في قراراتنا بشأن ما ينبغي أن نقوم به، وثانيها المعاني التي وضعناها للأشياء من حولنا، بينما ثالثها الوسائل التي ابتدعناها لتحقيق النتائج التي نريدها، وكلما كانت هذه الأعمدة مترابطة ومتعاضدة، كلما تمكنا من إحداث تغيير فعال وقابل للقياس، فالقرارات تجسد الأفعال التي سنقوم بها، بينما تُظهر نظرتنا للأشياء حولنا طريقة معالجتنا للأحداث والمتغيرات، ثم تأتي الوسائل التي تساعدنا على تحقيق نتائج حاسمة.
ولذلك فعلينا العمل على قناعاتنا الذاتية لأنها تشكل واقعنا، حيث يكتسب المرء قناعاته على مدار سني عمره ويستبدلها بأخرى كلما نمت مداركه، أما القيم فإنه من الصعوبة بمكان المساس بها لكونها أكثر رسوخاً في العقل، إلا أن الإنسان الذي يُعمل عقله في سبيل اكتشاف الحقيقة والارتقاء بقيمه الذاتية قادر حتى على تغيير القيم التي يصعب تغييرها.
ولكي تتمكن من تسخير قناعاتك وقيمك وجعلها تعمل لصالحك، ينبغي أن تنشئ هدفاً خاصاً بك يتوافق مع رغباتك الشخصية والمهنية ويتسق مع قيمك ومبادئك في الحياة، مما يثير الحماس في داخلك ويولد حالة من الاتزان العاطفي والذهني التي تساعدك على بلوغ الهدف.
تبدأ الخطوة الأولى في طريق النجاح بمعرفة الإنسان لذاته وإيمانه بقدرته على ترك أثر ملموس وإيجابي في العالم من حوله، فلا يمكن أن تحقق شيئاً ما لم تعرف ما تريد ومن أنت، وتؤمن بقدرتك على تحقيق ما تنشده، لذلك قال الفيلسوف العظيم سقراط حكمته الشهيرة: «اعرف نفسك بنفسك».
وبعد ذلك، تأتي مرحلة التنقيب عن الثروات الحقيقة، عن الطاقات الدفينة التي دفنتها البيئة المحيطة في الأعماق، ثم إخراجها للسطح حتى تسطع بنورها على وجود الإنسان بأسره، فيخوض غمار الرحلة مسلّحاً بأفضل ما عنده من إمكانيات وضعها الله في داخله.
أما المرحلة التالية التي لا تقل أهمية عن سابقاتها، فهي الانضباط الذاتي وتحمل المسؤولية، إذ لا يمكن لإنسان على وجه هذه البسيطة أن يحقق شيئاً ما لم يضع هدفاً محدداً نصب عينيه، ويكون في غاية الانضباط والالتزام، فيواصل على العمل اليومي ويضع كل جهده فيما يعمل، ولا يركن للتكاسل أو الخمول أبداً؛ وكأن لسان حاله يقول: «قليل مستمر خير من كثير منقطع».
فاعرف ذاتك، وآمن بنفسك، ثم حدد هدفك، ومن بعد ذلك استخرج الطاقات المخبوءة داخلك، ثم ابدأ العمل الآن دون تأجيل وبانتظام بلا انقطاع، وستشهد نتائج عظيمة في حياتك.

حمد حسن التميمي