كتاب وأراء

القضايا العادلة يسيء لها أصحابها

رشا عمران
كاتبة سورية
«إيتشيكو يامادا»، قلائل جدا قد سمعوا بهذا الاسم رغم أن وسائل الإعلام العالمية قد تناقلته خلال الأيام الماضية كثيرا، فهو اسم شاب ياباني، ناشط في مجال حقوق الإنسان، قدم من اليابان إلى برلين، حيث أكبر تجمع للسوريين الهاربين، كما يفترض، من نظام الأسد وجرائمه، قدوم إيتشيكو يامادا من اليابان إلى برلين كان بقصد وحيد: إعلان الإضراب عن الطعام أمام السفارة الروسية (بما أن روسيا أصبحت دولة وصاية على سوريا، وبما أنها هي صاحبة القرار بالشأن السياسي والعسكري والأمني داخل سوربا كما بات واضحا للجميع)، دعما لملف المعتقلين (مئات آلاف المعتقلين والمغيبين في سجون الأسد حتى اللحظة)، الذي لا يبدو أن هناك أي تقدم به، لا في سوريا ولا في مفاوضات المجتمع الدولي، وكأنهم منسيون تماما، أو وكأن المجتمع الدولي اعتبرهم في عداد الموتى والضحايا الذين ذهبوا في هذه الحرب المجنونة، مع أنهم ما زالوا على قيد الحياة، يعانون من ويلات الاعتقال، وسادية سجانيهم التي تحدث عنها كثر، وربما بعضهم على شفير الموت، وتحريك الملف عبر الضغط على المجتمع الدولي قد يعني إنقاذ مئات الآلاف من شباب سوريا من الموت في أقبية المعتقلات، وهو ما ينبغي أن يكون الهدف الأول لأية مفاوضات، خصوصا أن سوريا فقدت خلال العشر سنوات الماضية أعدادا مهولة من شبابها، من كل البيئات السورية، سواء المعارضة أو المؤيدة، هذا طبعا بخلاف من هربوا من سوريا واستقروا في الخارج ولا يبدو أنهم يفكرون بالعودة بعد أن نظموا حياتهم ووجدوا فرصا أخرى للاستمرار والعمل والحياة.
اختار إيتشيكو يامادا برلين لإعلان إضرابه عن الطعام في تقديري لعدة أسباب: أولا: إن ألمانيا استقبلت العدد الأكبر من السوريين وقدمت لهم الحكاية واللجوء، وفي برلين أكبر تجمع للناشطين السوريين في مجال حقوق الإنسان، وفيها الكثير من الجمعيات الثقافية المعنية بشؤون اللاجئين والتي يشارك فيها السوريون بشكل فعال، عدا عن العدد الهائل من العائلات والشباب السوريين من مختلف الاتجاهات، ثانيا: في برلين توجد المراكز الحقوقية التي تحرك ملفات مجرمي الحرب السورية من مناصري الاسد ورجال أمنه، ومن مناصري الجماعات الأصولية.
لكن ما توقعه إيتشيكو يامادا لم يحدث، لم يدعمه في هذه الحركة سوى عدد محدود جدا من السوريين العاملين في الشأن الحقوقي، والذين يزورونه أمام السفارة الروسية ويجلسون معه قليلا ثم يعودون إلى منازلهم! لم يفكر أي سوري في برلين أن يستغل هذه الفرصة ويعلن مشاركته للناشط الياباني الإضراب عن الطعام، لم يفعل أي أحد ما يمكن أن يسانده به! لم تقم أية جمعية ثقافية بأي فعل من شأنه تسليط الضوء على هذه الحركة، لم يشاركه أي كاتب أو كاتبة من سوريا من المقيمين في برلين أو المانيا، الذين يأخذون المنح للكتابة عن الوضع السوري، بوصفهم من ضحايا الاستبداد الأسدي ولو يوما واحدا من إضرابه، لم يفعل أحد من السوريين شيئا لمساندته في هذه الحركة.
واللافت أن مسؤولي المعارضة السوريين مازالوا حتى اللحظة يملؤون شاشات الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بالاحتجاج والشكوى من العالم الذي تخلى عن القضية السورية؟! لنكن واضحين وصادقين مع أنفسنا ولو لمرة واحدة: من الذي تخلى عن القضية، المجتمع الدولي أم السوريون أنفسهم؟! من المطالب أصلا بالتذكير المستمر بالقضية وبالنضال لأجلها؟! لدى المجتمع الدولي ولدى العالم ما يكفيه من القضايا الساخنة المستجدة، أصبحت معها القضية السورية كالطبخة البائتة، لم تعد تغري أحدا، خصوصا أن أصحابها قد تخلوا عنها لمصالحهم الشخصية، أو لأجندات أخرى لا تمت لها بصلة، قلة قليلة جدا ممن يشتغلون بالشأن العام مازالت تحمل القضية السورية، ولاسيما ملف المعتقلين، ويحاولون إيجاد حلول مع المجتمع الدولي عبر المطالبة بالضغط على نظام الأسد لفتح هذا الملف، أما مؤسسات المعارضة فلا يبدو أنهم معنيون بكل ما يحدث في سوريا إلا ما يضمن لهم بقاء امتيازاتهم كما هي!
علينا ان لا نستهجن بعد اليوم إن سأل أحد ما عن أسباب استقبال المانيا أو غيرها لهذا العدد من السوريين! فإن كان السبب هروبهم من نظام الأسد فلا يبدو أن موضوع بقاء هذا النظام أو زواله مهم لهم، بدليل أنهم لا يقومون بأي فعل لأجل ذلك، وإن كان السبب هو هروبهم من التنظيمات الجهادية: داعش والنصرة وغيرهما، فأفعالهم وتأييدهم لمجرمي هذه التنظيمات علنا يدل على غير ذلك ! هل يحق لأحد منا بعد اليوم لوم اليمين الأوروبي على رد فعله على اللاجئين ؟! هل يعي السوريون في أوروبا أنهم مطالبون حقا بمعايير مع ذواتهم وسلوكهم تساعد على استمرار احتضانهم من قبل الأوروبيين ؟! بالفعل إن أكثر القضايا عدالة يسيء لها أصحابها أنفسهم!

رشا عمران