كتاب وأراء

أريـــد أن أفـــهـــــم «1»

نــزار عــابــديــن
كاتب سوري
•اليوم هو الثاني من نوفمبر، وفيه الذكرى 103 للوعد المشؤوم المعروف باسم وعد بلفور، وكان الأساس لكل ما جرى بعد ذلك، ولكنني سأتجاوز هذه الذكرى، فقد كتبنا كثيراً، وكان جهدنا ضائعاً تماماً.
•لعل كبار السن منكم يذكرون الفيلم المصري الشهير جداً «أريد حلاً» وقد عرض قبل أكثر من خمس وأربعين سنة عن قصة للكاتبة «حُسن شاه» وسيناريو وإخراج سعيد مرزوق، أما الأصغر سناً فربما سمعوا به أو قرؤوا عنه شيئاً.
والذين يذكرون والذين قرؤوا أوسمعوا يعرفون أن الفيلم كان سبباً في تعديل قوانين الأحوال الشخصية في مصر، ومنذ ذلك التاريخ صارت عبارة «أريد حلاً» شعاراً يطرح في مناسبات كثيرة سياسية وثقافية واقتصادية.
أنا لا أجرؤ على أن أصرخ «أريد حلاً» إن كل ما تسعفني به شخصيتي التي ربتها أجهزة المخابرات العربية أحسن تربية، أن «أتوسل» خائفاً: أريد أن أفهم.
أركع على ركبتي وأعفّر جبهتي بالتراب، بل أعفر وجهي كله، وساعديّ وركبتيّ وقدميّ، وأضع في صوتي كل الذل الذي يربوننا عليه منذ الولادة حتى الممات، وما عادوا بحاجة إلى تلقيننا، لأن الذل امتزج بدمائنا، ودخل في تكوين الخلايا، بل نبت في أجسادنا «جين» للذل ليس عند غيرنا، لا داعي لأن أنكس رأسي، فهو لم يرتفع، منذ خلقت، وسيبقى هكذا حتى الممات، حتى صرت أظن أن الله خلق البشر ورقابهم معوجة.. وأستجمع شجاعة مستعارة أو مسروقة.. وأقف بين يدي سادتي وتاج رأسي، وسادة آبائي وأجدادي، وسادة أولادي وأحفادي متضرعاً: أريد أن أفهم.
أنا المواطن العربي مقهور بن محزون بن مقموع بن مهان بن مدعوس بن مصفوع بن متعوس القيسي اليماني المضري الإيادي النزاري.. أنا المواطن العربي الذي لا يحق له التوقيع في أسفل الورقة ولا في أعلاها، لا على يمينها ولا على شمالها.. ولا أن يبصم «حافره» في أي مكان منها.. أنا المواطن العربي الذي بلغ من الكرامة حد أن يقبّل الأيدي، وبلغ به البطر أن شبع سبع مرات من فتات مائدة الأسياد.. أنا المواطن العربي الذي تعودت أذناه الشتم كما تعود تنفس الهواء، وتعود قفاه الصفع والركل والضرب، حتى صار يؤدي التحية للصورة المعلقة في كل مكان كأنما نزل بهذا أمر سماوي، أنا المواطن العربي.. لا أريد سوى أن أفهم.
معاذ الله أن أطالب بأن يؤخذ رأيي بما حولي، وبعيشي ودراستي، وبما أسمع وأقرأ، وبطريقة صلاتي وصومي، أو أن يسمح لي بالتفكير، هذا كله رجس من عمل الشيطان، ولذلك لا أقربه.

نزار عابدين