كتاب وأراء

يـغـرونـنـي بـارتـكـاب جـريــمــة

نــزار عــابــديــن
كاتب سوري
يُفترض فيمن تعطيه الصحيفة مساحة ليكتب فيها ما يريد، أن يخصص هذه المساحة للكتابة عن أمور تهم القراء جميعاً، أو قسماً منهم على الأقل، ولكنني أستأذن في أن أكتب عن موضوع شخصي، ولعله ليس شخصياً بل عاماً.
ماذا في عنوان بريدي الإلكتروني ما يغري بالكتابة إلي؟ إنه عنوان عادي كملايين العناوين الأخرى، وليس فيه ما يدل على مكان إقامتي، ليعرفوا إن كنت أعيش في بلد فقير أو غني، لذا أعتقد أنهم وجهوا إلى آخرين رسائل مماثلة، أو الرسالة نفسها، وخلاصة الأمر أنني تلقيت عشرات «الإيميلات» يعرض فيها كاتبوها أن يرسلوا إلي وديعة في أحد البنوك، ولي منها النصف، وما الذي يضمن لهم أنني سآخذ النصف فقط؟ يكتبون لي مرة أن المال كان لشخص ما، ومات هذا الشخص، ولا يعرفون له أي وريث، ولذلك اختاروني لأكون الوريث. ومرة تكتب لي إحداهن أنها مريضة بالسرطان، وأن لديها بضعة «ملايين» من الدولارات، وقد اختارتني لأكون المشرف على إنفاق هذه الدولارات على الفقراء وفي وجوه الخير، بل تلقيت أربع «إيميلات» باسم عائشة بنت الزعيم الليبي الراحل معمر القذاقي، ومرة باسم وداد با بكر زوجة الرئيس السوداني السابق عمر البشير مع أنها كانت معتقلة. والمبالغ المعروضة ليست صغيرة، فهي لا تقل عادة عن خمسة ملايين دولار، لكن الرقم المحبب لهم جميعاً هو سبعة وعشرون مليوناً ونصف المليون 27,500,000 دولار ، وخطر لي أن أحتفظ بالأسماء، وبدأت أسجل أسماء مرسلي الرسائل، ولاحظت أن معظمهم من «بوركينا فاسو» وهي دولة تقع في غرب إفريقيا، وصار عندي قائمة تحتوي على بضع عشرات من الأسماء، ومنهم من يكرر إرسال الرسالة أكثر من مرتين: عائشة القذافي أربع مرات، وكذلك مونيكا براون، وعلي أحمد، وفينا عمران حسين، ومن أحمد كوباني ستّ رسائل، وأصله من عين العرب في سورية ويسميها الأكراد كوباني، وكذلك فرانك جونسون، وحطم محمد موسى الأرقام القياسية: خمس وثلاثون رسالة ويبدأ الرسالة عادة بأمر: Reply me Immediately
تساءلت: أيعقل أن هؤلاء يظنون أن في الناس غبياً يمكن أن يستجيب ويرسل إليهم ما يريدون من معلومات؟ وربما بعد ذلك يطالبونه بمبلغ ما قد لا يتجاوز بضعة آلاف كرسوم، ولماذا لا يرسل إلي كمبادرة بضعة آلاف ليغريني؟ أيعقل أن في الناس من يستجيب لهم؟ ألا يعلم الجميع أن هذا جريمة بنظر القانون واسمها «جريمة غسيل الأموال أو تبييضها»؟ وتذكرت العصابات النيحيرية التي نشطت قبل سنوات، وتساءلت: هل ما زال في الدنيا من تنطلي عليه هذه الألاعيب؟

نزار عابدين