كتاب وأراء

التفكير القطبي وفرص الحياة

حمد حسن التميمي
وفقا لدراسة حديثة جرت ربيع عام 2020م، أشرف عليها معهد علم النفس العيادي، الذي يقع مقره في العاصمة البريطانية، فإن 32 % من شباب الألفية، وهم مواليد الثمانينات من القرن العشرين، يعانون من نمطية التفكير القطبي، الذي نعني به تفكير الأبيض والأسود.
وفي دراسة أخرى اكتملت نتائجها مطلع صيف عام 2020م، نفذتها مؤسسة البحوث والدراسات في العاصمة الفرنسية، فإن أحد أهم الأسباب المؤدية إلى الشعور بالتوتر والدونية يكمن في هذا النمط الأحادي من التفكير والذي يميل إلى التطرف؛ فإما أن تكون ناجحاً تماماً وإما أن تكون فاشلاً تماماً، إما أن يكون صديقك ملاكاً وإما أن يكون شيطاناً.
وتطلق جمعية علم النفس American Psychological Associationعلى هذا النوع من التفكير مصطلح التفكير ثنائي التفرع، وذلك لكونه يعمد إلى تشويه الإدراك ويمنع صاحبه من رؤية العالم كما ينبغي؛ فالعالم مليء بالتعقيدات، وهذا ما يرفضه صاحب التفكير القطبي لأن عقله يعمل بأسلوب كل شيء أو لا شيء؛ فإما أن ينال كل شيء أن يفقد كل شيء.
وتؤكد الجمعية أن نمط تفكير الأبيض والأسود لا يتيح لنا إيجاد حلولٍ وسطى، ومن ثم تصير الحياة بالغة الشقاء، لأنه من العسير البقاء دوماًبمحاذاة الحدود القصوى؛ فلا بد أن تكون هناك فسحة مرنةٌ نستطيع المرور عبرها حينما لا يكون هناك مفرٌ آخر.
كما يؤكد خبراء جمعية العلوم التطبيقية Association for Applied Sciences أن هذا التفكير يهلك صاحبة عقلياً وجسدياً ويخرب مهنته،لأنه يحدث اضطراباً بعلاقاته لكون صاحب هذا التفكير يرفض تماماً كافة وسائل التفاوض والتسوية، ويفضل استخلاص استنتاجاتٍ وأحكامٍخاطئةٍ، بل وقد يتخذ قراراتٍ دون الاهتمام بقياس آثارها المحتملة.
ويميل صاحب هذا النوع من التفكير إلى حسم القضايا الشائكة بوسائل أقرب إلى العنف، كما يهمل البحث عن الحلول الواقعية لها. وعندما يتطلب العمل نوعاً من التعاون وتبادل الأدوار، فإن صاحب هذا النوع من التفكير يضع لنفسه حدوداً صارمةً لا يتجاوزها ويتشبث بمهمات وظيفته وبدوره فيها غير عابئٍ بسياسة شركته وأهدافها.
وبسبب ذلك، خسر كثير ممّن يعتمدون نمطية التفكير القطبي ويجعلون منها أداةً دائمةً لوزن الأمور وفحصها، وظائفهم التي كانوا يشغلونها لفترة طويلة، وذلك خلال الأزمة المالية عام 2008م وما بعدها. فحتى اليوم يفقد عشرات الأشخاص وظائفهم بسبب طريقة التفكير المدمرة تلك.
ولا يقتصر الأمر على تلك الآثار المهنية، بل يتعداها إلى عادات الغذاء. ففي دراسة أجرتها جامعة New Castle البريطانية شتاء عام 2020م، تبين وجود صلةٍ ما بين التفكير ثنائي التفرع واضطرابات الأكل؛ فكلما كان تفكيرك ينزع إلى رؤية الأبيض والأسود دون غيرهما، صارت نظرتك إلى الأطعمة قاصرة الدلالة؛ فإما أن تراها جيدة تماماً وإما أن تراها سيئة تماماً. وبالتالي ستضع أمامك قيوداً غذائيةً صارمةً يصعب تحملهاوهذا سيؤدي إلى مرورك بحالةٍ من نوبات الاكتئاب الحاد والذي قد يصل بك إلى اضطراب الشخصية الحدية؛ فتصبح صفاتك السلبية طاغيةً ويقل نشاطك.
فإذا وجدت، عزيزي القارئ، أنك تفكر ضمن هذا النمط من الاستقطاب الذي لا يقبل إلا لونين فحسب متجاهلاً سائر الألوان الأخرى، فإنه من الأهمية بمكان أن تحاول جاهداً الحصول على مساعدة من صديق مقرب أو فرد من أفراد العائلة، وتطلّع ما استطعت على كتب قيّمة ربما تغير وجهات نظرك وتعينك على تغيير طريقة التفكير تلك.
فإذا لم تنجح أي محاولة ذاتية أو بمساعدة من هم حولك لك، فلا تترد فيزيارة معالجٍ نفسيٍ موثوق؛ لأنه كلما استمريت في انتهاج نمط التفكير الأحادي، زاد هذا من تعكير صفوك وتكدير علاقاتك. فمن المهم بمكان أن تجد حلّاً نهائيّاً لمشكلة تعلم يقيناً أنها سبب في شقائك وإخفاقك ومعاناتك. فإذا انتصرت على نفسك، فستُفتح لك أبواب الدنيا، وترى العالم بواقعية وإيجابية كما هو لا كما تريده أن يكون.

حمد حسن التميمي