كتاب وأراء

دموع على عتبات الرحيل

أقول لابني: لقد أذنبت أنا أكثر مما أخطأت أنت، لذا، فسأتعلق بظرف الاستدراك للكف عن التذمر كلما حدت عن السطر، فلا أريدك آلة ميكانيكة تُفَعِّل المسار الذي اتسق على تسميته حرفيّاً بالاستقامة.
لن أكون أكثر فخراً بك لو بت أكثر وداعة وانقيادية لي، ولو كنت محملا بمناصب، ولن أطالبك بمثالية لم أصل يوماً لعتباتها.
يكفيني أن نتفق سويّاً على الوجهة التي نُقبل عليها وهي «وجه الله» حتى لو اختلفت مساراتك أو تشتت دروبك قليلاً أو كثيراً.
فالذي يعنيني هو الوصول لجادة الحق، لذا، فلن أفرض عليك سكة حديد بعينها أو مسارات محددة سلفاً، ولن أرتضي لك أن تصل بأمان، لكن مكبل بأغلال التحطيم والانقياد لفكري أو لفكر سواي.
..
أقول لابني:
خبطة أقدامك على القلب هدارة. أنت الأغلى وأنت من لك الصدارة، فما يعتمر قلبي تجاهك، لا يمكن عنونته بمشاعر
فالأخيرة ليست إلا تمظهرات للحب، لكن ما وضع في أحشائي تجاهك هو غرز إلهي ألقي في سويدائي ليدفعني لعمل تعديلات يومية على سلوكي لصالحك.
وسينمو هذا الغرس وسيثمر لأني سأظل أحبك سواء أحسنت أم أسأت، أثبت أم أذنبت، نجحت أم فشلت..
وليقر في وجدانك أن العقل لم يكن يوماً زينة، فلا تعطله أو تتعاطى معه كأحد إكسسوارات الحياة تلبسها شهراً وتقرضها لآخرين يستخدمها عنك دهراً.
..
أقول لابني:
أعترف أني كُثر ما ضقت لصعوبة اختلائي بنفسي دون سماع طرق على الباب
أين فرشاتي؟ أين ميرولي؟ أين حذائي؟ وسائر محتويات القائمة الأينية!
فعادة ما يطوف الأبناء حول أمهاتهم مطالبين بهذا وذاك، وبقدر تذمري من هذا التعلق، إلا أني بتُّ أحتاجه، سيما كلما تفحصت أقدامك ليلاً وأنت نيام فوجدت قياساتها تكبر، منذرة بقرب موعد الترجل للرحيل!
كم وددت مناشدة تلكم الأقدام أن عودي صغيرة كما كنتِ، وتعلقي بأستاري وبأذيال عباءتي كما كنت، ولأعاهدك أني سأكف عن التذمر.
ربي ارجعون لعلي أعمل صالحاً مع أبنائي قبل رحيلهم عني!
فأنا لم أشعر يوماً أني محبوبة بهذا القدر وبهذه الطريقة النزقة من أحدٍ سواك.
وكم أعشق هذا النزق والطيش في مشاعرك التي ألمس أنها لا تفتقد رونق جدتها الدائم، كما ولا تأفل بقدمها.
وأخيراً، فلقد استوطنت قلبك وطلبت حق اللجوء الإنساني، وسعدت يوم منحتني جواز مرور لفؤادك، فلا تسحبه مني أو من والدك الرائع ولا تهدد بالإبعاد، النفي أوالإقصاء.
أقول لكل أب:
حين كسر ابنك مزهرية «بوهيميا» الثمينة، شاهد غضبك وتعنيفك له أسفًا على البلور المكسور، لكن عمرًا سيرحل دون أن ترى أن قلب صغيرك وقد تحطم أيضاً لخطأ غير متعمد.. أيهما أبقى لك وأنفع.. مزهرية تشيكية ثمينة.. أم ابن بقلب مهشم، رغم أنه لا يقدر بثمن؟
ابنك من صلبك.. أقسمت عليك.. لا تجعل من الصُلب هشيما..
من يعشى بنور بصيرته.. فالعمى أولى بمقلتي جهول.

داليا الحديدي