كتاب وأراء

لا تجادل الجاهل

حمد حسن التميمي
قال سيدنا علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «لا تجادل الجاهل كي لا يغلبك في جهله». فإن خالطت الجاهل طويلاً فسيجرك إلى القاع لا محالة، ثم سيدفنك بجوفه حتى يهلك عقلك. لأنه كلما جادل المرء السفهاء أكثر، انتقص من قدره وأصاب عقله الوهن والتشوش، ليخرج من السّجال بعد أن ضيع ساعات طويلة من وقته بصداع ومشاعر سلبية وخسارة ما بعدها خسارة.
إن مجادلة السفهاء تمنحهم غروراً زائفاً يصوّر لهم أنهم رأس الحكمة وأن غيرهم لا يفقهون شيئاً. ويبدو هذا جلياً عند تفقد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائله المتعددة، التي أصبحت بمثابة وباء يستشري في المجتمع ويهيمن على العقول؛ فعند النظر إلى صفحات هذه المواقع وتطبيقاتها، نجد حرباً مشتعلة تدور رحاها بين الجهلاء الذين يجيبون عن كل سؤال يُطرح على تلك المنصات، ويسارعون إلى طرح آرائهم إزاء قضايا مجتمعاتهم والمجتمعات الأخرى كذلك.
وهؤلاء الحمقى ليسوا إلا شرذمةً من الغوغائيين الذين ينبغي تجاهلهم وإظهار مكانتهم الحقيقية ليعلموا حجمهم الحقيقي وليستيقظوا من أوهامهم التي تزين لهم الاستمرار في حماقاتهم ومواصلة نزقهم. وإذا كان يتحتم عليك، عزيزي القارئ، أن تدخل في نقاش مع أحد هؤلاء السفهاء، فلتحرص على ألّا تنتهج طريقته في الحوار، بل أوضح زيف ادعاءاته واترك الحكم للجمهور.
أصبح الجدال العقيم اليوم حماقة أعيت من يداويها ووباء يستشري بين أوساط الناس في هذا المتسارع المجنون، حيث اتخذ البعض هذا الشكل من الجدال الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع نمطاً ثابتاً لا يقبلون عنه بديلاً. حتى استطاع هذا السلوك الذميم أن يصنع جيلاً كاملاً من الشباب السطحيين الذين لا يعرفون شيئاً اسمه قراءة أو كتابة، ورغم ذلك يتبجّح الواحد فيهم برأيه وكأنه فيلسوف زمانه وعبقري عصره، بعد أن استبد الجهل بالعقول والغوغائية بالقلوب؛ فأصبح النقاش لأجل النقاش لا في سبيل العلم والتعلّم كالدم الذي يجري في العروق.
لقد تمكن هذا الداء العضال من أن يطال فئاتٍ عديدةً من البشر والذين وجدوه مكملاً غذائياً لا مجال لإهماله. وهذا ما دعا جمعية علماء علم النفس (American Psychological Association; U.S.A) إلى إجراء بحثٍ مكثفٍ مطلع عام 2020، تطرقت فيه إلى آثار الجدال السيئة على المجتمع.
وقد خلصت الدراسة إلى أن مجادلة السفهاء يؤدي إلى مشكلات نفسية كثيرة، ويؤثر أحياناً في قدرتنا على محاكاة المنطق والتفكير بطريقة سويّة. فإذا استمرت مجادلتك مع سفيه لثماني ساعات على سبيل المثال، فإن هذا قد يفقدك الثقة بنفسك ويشوّش أفكارك وينتقل بفكرك من الصلاح والإيجابية إلى السلبية والوهم وإنكار البديهيات، وذلك وفقاً لنتائج الدراسة النهائية.
لذلك فإن ما علينا فعله هو أن نتسلّح بالعلم والمعرفة أولاً حتى لا نكون لقمة سائغة على مائدة من يدّعون الثقافة والرأي السديد. وأن نبتعد ابتعاداً كليّاً عن مجادلة أي شخص نستشعر أنه يريد الجدال لا ليتعلّم ويُعلّم ويتبادل المعلومات، بل بهدف إثبات وجهة نظره والانتصار في معركة سخيفة لا فائز فيها؛ فكلا الطرفين خاسران.
إن جعل القراءة حاجة وعادة يومية كالطعام والشراب، من شأنه أن يقلب حياتنا رأساً على عقب، فكلما قرأت أكثر ازدادت حصيلة معلوماتك واكتسبت القدرة على تمييز الخداع والتلاعب بالألفاظ والأفكار من قبل أولئك الذين لا غاية لهم سوى تخريب المجتمع وبث وجهات نظرهم التافهة في كل مكان. كما أن النأي بنفسك عن مناقشة الجهلاء لأعظم حلّ وترياق يحميك من أفكارهم المريضة وإضاعة وقتك الثمين دون جدوى.

حمد حسن التميمي