كتاب وأراء

أيتها البلاد المحروقة

رشا عمران
كاتبة سورية
الصورة هي على الشكل التالي: ارض تلتهمها النيران، جبل ربما أو غابة، إذ لا أحد يعرف ما الذي تأكله تلك النار الهائلة، في منطقة مشتى الحلو بين مدينتي طرطوس وحمص، ومقابل النيران صف من البشر وجوههم للحريق وظهورهم للمصور، يبدون أمام هول اللهب كما لو أنهم مجموعة من أعواد الثقاب التي نسقها أحدهم بالترتيب ليشعلها واحد من آخر، إذ لم يبق شيء من تلك البلاد، لا أرض ولا شجر، ولا حياة، الجميع بانتظار الموت! هذه رؤية واحدة للمشهد، ربما أيضا يمكننا رؤية المشهد على النحو التالي: سوريا تشبه جثة أوصى صاحبها بأن تحرق عند الموت، ووكل مشاهد حرق الجثث، النيران تنبعث من الحطب العطري المحيط بالجثة بينما يقف أحباء الميت صفا واحدا، ظهورهم دائما لعدسة الكاميرا وعيونهم تودع الميت إلى رماده الأخير. هل من تأويل يشبه حالة سوريا أكثر من هذين التأويلين ؟!
صورة أخرى ليلية للبحر في منطقة رأس البسيط الشهيرة في اللاذفية، أجمل شاطئ متوسطي في بلاد الشام، حيث الجبل الأخضر العالي يشكل نصف دائرة تحضن البحر أسفلها، في الصورة يظهر الجبل وهو يحترق واللهب الأحمر يتصاعد منه، بينما يعكس البحر مشهد النار فيبدو وكأنه بحر من الدماء، إنها لعنة الدم، الدم الذي أغرق سوريا منذ ما يقارب السنوات العشر، لعنة دم اخوة الوطن، التي تحول الجميع إلى قتلة وتحولهم جميعا إلى ضحايا في الوقت نفسه، بينما الإجرام والمجرم الأصلي يتفرجون على هذا الخراب الكبير في قصورهم العالية، تاركين لمن صدقوهم يوما أن يحترقوا بهذه اللعنة الأبدية.
شيء يشبه التراجيديا، ربما قرأنا عنه ذات يوم في التراجيديا الإغريقية، أعظم تراجيديات الكون، لكن الفرق السوري، أن التراجيديا ليست من خيال مؤلف ما، لا الدم ولا لعنته ولا الحرائق ولا الهروب العظيم من الخراب، ولا خوض البحار والغابات، ولا الموت من الجوع والبرد ولا قتال الإخوة، ولا شيء من كل هذا هو من خيال مؤلف عظيم، إذ يعجز خيال عباقرة كتاب التراجيديا عن وصف الحالة السورية خلال العقد الماضي، والتي اكتملت دائرتها بحرائق تأكل الأخضر واليابس حرفيا، تأكل الشجر والأرض والحجر، تأكل مواسم الناس، آخر ما تبقى لها في ذلك البلد الملعون، الناس التي تراقب بصمت خراب حياتها الأخير تلقي عليه النظرة الأخيرة، ثم تعود أدراجها، تاركة للنار أن تكمل وجبتها الكبيرة، بعد أن عجزت عن كبح جماحها.. لا أحد يعرف، ربما يأمل الناس أن تكون الحرائق بمثابة المطهر الذي يخلص البلاد من لعنتها، هذا ما يحدث عادة في التراجيديات الكبرى! بيد أن لا شيء من هذا سيحدث، واللعنة على ما يبدو لن تحل عن هذا البلد المنكوب، والذي أصبح فريسة سهلة لكل من لديه طموح استعماري، أو رغبة دفينة باستعادة مجده الإمبراطوري على حساب شعب لا يريد من الدنيا سوى أن يعيش بسلام.
في التراجيديات العظيمة ثمة طائر عظيم ينهض من موته، من النار التي سقط بها، يفرد جناحيه ويحلق عاليا وهو ينفض عنه آثار الرماد، حلم السوريون دائما بهذا الطائر وتمنوا لو أنهم يشبهونه إلى حد كبير، بيد أن طائر الفينيق ذاك، لم يكن محاصرا بطائرات أعداء مختلفين طالما أطلقت نيرانها نحو السوريين لكنها استنكفت عن استخدام هذا الطيران لإخماد الحرائق التي لا يعلم أحد هل أشعلها غضب الطبيعة، أم اشعلتها طبيعة الإجرام التي تحكم القبضة على سوريا من كل أنحائها ؟!
كتبت شاعرة سورية شابة قبل سنوات بعد رحيلها عن سوريا: «أحب تلك البلاد حتى في خرابها الأخير» !! تقول لي أمي التي تعيش في سوريا، والنيران تكاد تصل إلى عتبة بيتها أمس: «لم نعد نعرف إن كنا نحب هذه البلاد أم نكرهها، خرابها لنا نحن الذين أحببناها، وخيرها لمن تسبب بهذا الخراب ولغرباء يأتون من كل فج عميق»! اليوم صباحا كتب صديق مازال يعيش في ذلك الجحيم المسمى وطنا: «صباح النار أيها الوطن المحترق، صباح النار وهي تسحبنا نحو ذل جديد سوف ننام ونصحو ونحن نشعر بطعمه في أرواحنا».

رشا عمران