كتاب وأراء

البقاء للأسمن

حمد حسن التميمي
من المتعارف عليه بين أوساط الشعوب أنه نادراً ما تأخذ العدالة مجراها إذا كان المظلوم فقيراً؛ فمنذ متى والفقراء ينالون حقوقهم من الأغنياء؟ فكما تطالعنا صحف الدنيا، فإن البقاء لم يعد للأفضل بل للأقوى، وهذا ما أشار إليه «جينس جاليشيوت» الذي اشتهر بعبارة «البقاء للأسمن»، التي تؤكد ما آل إليه واقعنا المرير بعدما تفشى فيه الفساد وتغلغلت في جنباته شهوة السلطة.
وكم كان لهذه العبارة الدقيقة من أثر مقيت في قلوب البشر، وذلك لما تظهره من مأساة الفقراء وامتهان العدالة لأبسط احتياجاتهم، فقد أظهر جينس معاناة الفقير في صورة غلام يحمل امرأة بدينة ترمز إلى العدالة الغائبة وسوء توزيع الموارد، فبينما تبدو على ملامح الغلام الأسى ورقة الحال، تغمض المرأة عينيها متعمدة، كأنها لا ترغب برؤية الظلم الذي يستشري حولها.
لقد أراد جينس أن يبعث برسالة إلى أثرياء العالم والذين يفرطون في استهلاك الطعام رغم تواجد مجتمعات تموت جوعاً كل يوم، فإن معظم الأفراد في مجتمعات الغرب غارقون في حياة الرفاهية والبذخ، في الوقت الذي يضطهدون فيه الفقراء من حولهم ويتاجرون بحاجاتهم، متناسين أن هؤلاء الفقراء هم الذين يمدونهم بسبل الرخاء التي يتمتعون بها، وأنه يحق لهؤلاء المهمّشين من أفراد الشعب التنعم بحياة رغيدة لا مكان فيها للعوز.
ومنذ بروز هذا الشعار «البقاء للأسمن» عام 2002م، انقسمت الآراء ما بين مؤيد له ورافض لرمزيته؛ لا سيما أنه يهاجم طبقات القضاة الظالمين وفئات الإقطاعيين الذين يستنزفون طاقات الفقراء ويرمون إليهم بالفتات. وقد رحبت الدول العاملة بنظم الاشتراكية بشعار جينس واعتنت بمناقشة مدلولاته المعنوية، بينما رفضت الدول العاملة بنظم الرأسمالية الشعار برمته مدعية أنها تراعي حقوق الفقراء وأنه ليس ثمّة ظلم يقع ضمن أراضيها.
واختلفت المؤسسات كما الجهات الدولية حول الشعار؛ فمنها ما رآه أنموذجاً يجسد الحياة المعاصرة، ومنها ما ظنه مبالغاً فيه. فعلى سبيل المثال وفي ملتقى نظمته هيئة Thrive Global عام 2005م الذي تمّ عقده بالعاصمة الصينية، ناقش المحامي الحقوقي «جوييس بووين» قضية غياب المهنية الأخلاقية، متمثلة في سعي المحامين إلى الدفاع عن المجرمين الذين يستطيعون سداد المستحقات المالية، مفصحاً عن قيام محامين كثر بتبرئة مذنبين اشتهروا بأعمالهم المنافية للأخلاق وتقاضي أثمان باهظة نظير خيانتهم للأمانة.
وأبدى جوييس استياءه البالغ من طرق معالجة قضايا الفقراء الذين هم بطبيعة الحال لا يمتلكون إلا القليل من المال، مما يشكل سبباً يدفع المحامين للتخلي عن قضاياهم، ومن ثم يصبح هؤلاء الفقراء ضحايا لأحكام جائرة.
ويضيف موريس برام، باحث اجتماعي مشارك بالملتقى، أن هذه المشكلة عالمية النطاق وأن الفقراء في دول الشرق يعانون من الظلم والفساد ويعيشون داخل مجتمع هرمي لا خيار أمامهم فيه إلا الخضوع والإذعان لشتى صنوف القهر والعدوان. ومع ذلك ورغم عالمية الأزمة، فإن عدداً قليلاً اختار الدفاع عن هذه القضية الاجتماعية، غير مبال بما قد يواجهه من تعنّت أولئك المستبدين الذين يرفضون التغيير ويريدون بسط سيطرتهم الكاملة.
يذكر موريس أن هناك قانوناً واحداً للأغنياء، إلا أنه عندما يختص الأمر بالفقراء فليس ثمّة قانون، ولذلك يجد الفقراء أنفسهم بمعزل عن الوصول إلى شاطئ العدالة وإرساء سفنهم بمحاذاته. فمع غياب المساواة القانونية ووجود نظام قضائي فقير الكفاءة، أصبحت العدالة بحق عمياء. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تتصارع طبقات ثلاثة في فوضى عارمة: طبقة السطح العلوي التي ينجوا أفرادها الأثرياء من براثن القانون ويحطمون قيوده، وطبقة المنتفعين الجدد وهؤلاء يجيدون الالتفاف حول القواعد وتطويعها لصالحهم، وأخيراً طبقة الأقزام الذين تنشط أمامهم اللوائح وتظهر لهم أنيابها الحادة، وهؤلاء بحق هم من يدفعون الثمن دائماً.

حمد حسن التميمي