كتاب وأراء

السادية بوصفها إحدى أدوات السلطة

ثمة مشهد مرعب جدا في المسلسل البريطاني الأميركي (آوت لاندر) أو (دخيلة) كما تمت ترجمته إلى اللغة العربية، المشهد يجمع بين الشخصيتين الرئيسيتين في المسلسل الضخم (جايمي فريزر) يقوم بدوره الممثل سام هيوين، و(كلير فريزر) تقوم بدورها الممثلة (كاترينا بالف)، وفيه يخبر جايمي زوجته كلير (القادمة من المستقبل) عن الطريقة التي اعتمدها الضابط الإنجليزي (جوناثان راندال) يقوم بدوره الممثل (نوبياس مينزيس) في تعذيبه وإذلاله في السجن، وكيف تمكن من ترويضه وهو يقوم بتعذيبه، داخل غرفة معتمة في سجن لا يرى الضوء، يحكي جايمي عن الهوة الكبيرة التي حدثت في داخله، وكيف استطاع سجانه أن يخترق روحه، بعد ساعات من التعذيب المتواصل والعنيف، كان جوناثان راندل يمتلك كل صفات الرجل السادي بامتياز، ووجد ضحيته في الشاب الاسكوتلندي، ذي العنفوان والكبرياء والطموح والتحدي.
وأنا أتابع المشهد، لم أستطع أن أنزع من خيالي ما سمعته سنة 2011 من بعض المعتقلين السوريين الشباب الذين خرجوا من المعتقل السوري وقتها، إثر مشاركتهم في الثورة، عن كيفية اختراق أرواحهم عبر الطريقة نفسها، في واحدة من أبشع طرق الإذلال والقهر التي يتم استخدامها في تعذيب المعتقلين السياسيين، إذ لم يسبق أن تم الحديث عن هذا النوع الفظيع من التعذيب مع المسجونين بجرائم وجنح أخرى، لا في سوريا ولا في غيرها، بينما يتحدث التاريخ عن سير مشابهة للتعذيب في المعتقلات والسجون التي تضم المعتقلين السياسيين أو أصحاب الرأي أو المعارضين للسلطة في العالم، سواء أكانت سلطة سياسية أو عسكرية محلية أو سلطة احتلال، (من له أن ينسى تسريبات معتقل أبو غريب!)، ومازالت سير المعتقلات السورية وما يحدث فيها، يظهر جديدها تباعا، مع المحاكمات التي بدأت في أوروبا ضد من كانوا في الجهاز الأمني السوري أو مع قصص الناجين الذين استطاعوا الهرب من الجحيم السوري والوصول إلى الأمان، حيث بدؤوا بالتخلص التدريجي من الثقل النفسي لأوقات التعذيب في المعتقلات.
وطبعا ليس خافيا ما تعرضت له المعتقلات السوريات، سواء في المعتقل أو أثناء اقتحام المدن والقرى من قبل عناصر النظام وشبيحته، وخلال الأشهر الماضية تم فتح هذا الملف عربيا وعالميا، بشكل غير مسبوق، وأثار الكثير من الجدل.
التعذيب سيبقى علامة في شخصيات الذين تعرضوا له ترافقهم طول حياتهم، وتظهر آثارها على علاقاتهم، فمازال مفهوم الرجولة في الكثير من دول العالم، يرتبط بالحماية والسلطة، الرجل هو الحامي، تعذيبه وإهانته بهذا الشكل هو كسر لهذه الفرضية، وخدش كبير لمساحة التوازن النفسي التي تراكمها الثقافة الذكورية المجتمعية عبر أجيال لدى الذكور، والسلطة الحاكمة (أي سلطة كانت) تدرك هذا جيدا، أيضا نتيجة تراكم ثقافة القوة والقهر عبر أجيال، تمارس السلطة الاستبدادية العسكرية ساديتها في سلوكها اليومي مع من يقعون تحت سلطتها، لكنها تتفنن في تنويعات هذه السادية مع المعتقلين السياسيين، فالمعتقل السياسي متمرد على السلطة، عقابه هو في ترويضه عبر تهشيم صورته الجندرية داخل روحه، عبر اختراق تلك الروح التي تفترض أنها السلطة أيضا، شيء يشبه كسر السلطة بسلطة أقوى.
يقول جيمي فريزر لزوجته كلير فريزر: «سوف أتحرر من جوناثان ومما فعله بي حين أرى دمه يسيل من سيفي» ! ترى ما الذي سوف يحرر السوريين الكثر الذين تعرضوا لكل أنواع التعذيب من هذا العبء النفسي الثقيل كي يستطيعوا مواصلة حياتهم؟!

رشا عمران