كتاب وأراء

مقالب مغلفة بشريطة حمراء

وإني أتحسس محفظتي كلما وصلتني رسالة من مدرسة الأبناء تبدأ بكلمة:
عزيزي ولي الأمر..
على الأقل كن شريفاً، واضحاً في خصومتك، فلا داعي لمداهنتي بديباجة ملساء أو مخاطبتي بعزيزي فلان، ادخل في الموضوع.. كم تريد؟
كم انتشرت تلك المقولة على وسائل التواصل كونها تعبر عن واقع حياتنا وهو ما يذكرني بمقولة زوجي:
«ستندهشين أن أغلب المقالب التي نتلقاها في الحياة، تكون مغلفة بشريطة حمراء».
Quite elegantly wrapped
فمعظمها يستهل بـ:عزيزي فلان!
أذكر أن شجارًا وقع بين أبنائي، فجاءتني الصغيرة شاكيةً كونها تلقت «سُبّة» من أخيها، حيث نعتها بالكونتيسة!
قلت: ماذا في هذا.. أونحاسبه على الإطراء؟
قالت: لا لا، بل قال، أنت كونتيسة مطلقة
وبخته لسلوكه، واعتذر لها.
لاحقاً، أخبرتني ابنتي -بما معناه- أنها تأذت من لقب «كونتيسة» لا «مطلقة»، فالأول في شرعتها يعبر عن امرأة في الغالب مرفهة، تحضر عروض الأزياء وتشارك بشكل شكلي في الأعمال الخيرية وترضى بأوضاع حياتية مزرية مقابل لقب يضعها في قمة المجتمع رغم أنها فعليا في قاعه.
أما «المطلقة» فهي إنسانة حيز لها من الكرامة ما جعلها ترفض أو على الأقل تقاوم أوضاعا مهينة وضغوطا اجتماعية قاسية لكونها بالأساس حرة.. ثم ختمت كلامها:
:«لقد اضطررت لخداعك بقولي إني جرحت من لقب مطلقة، رغم أني أحترمه أكثر من كونتيسة، لأن دلالة الأول ستزعجك وستحضك لنصرتي.. فيما دلالة الثاني ستثبطك عن الدفاع عني، رُغم أنه قالها فكاكاً، كونه يعلم أن الكلمة ظاهرها السمو وباطنها التجريح.
أمي، إنه ما قال أيًّا من اللقبين إلا ليضايقني، وكان حرياً به لو أراد ملاطفتي الا يناديني باسمي لو كان الاسم يؤذيني، وأعتقد أن ثمة حديثا شريفا بهذا المعنى، بل الآية صريحة في النهي عن التنابز بالألقاب».
لقد ذهلت من عمق وعي ابنتي رغم أنها طفلة لا ينبئ مظهرها على عقل، سيما أنها تقضي جل وقتها في الألعاب الالكترونية، ثم أن صوتها وحركاتها طفولية للغاية. لكني أحسب أن درجة وعيها هي الأمثل بين أبنائي -حفظهم الله- فقد علمت أن «أميرة» ما هي إلا «تقية» أو شريطة حمراء غلفت بها سبة.
ولقد نجحت الفنانة «ماجدة الصباحي» في تجسيد دور فتاة تلقت مقلب العمر من والدتها لأنه كان مغلفا بشريطة حمراء، كما أنه قد أتاها من أمها وهو مصير ملايين من الفتايات اللائي انصعن لخيارات الأهل في الزواج فارتبطن بـ «عمو عزيز» العجوز الثري أو حتى الشاب الفقير غير الكفء، فابتلعن مقلباً مغلفاً بشريطة حمراء وفساتين بكل خيط مذهب فيها نصل غرزه الأهل في خاصرة السنين ومجوهرات من زبرجد ولؤلؤ ووعود من ياسمين، وفرح باهظ التكاليف أو حتى من دون بذخ.. وستمر طويلة بها الخدعة للأسف، حتى تدرك أنها دفعت الثمن آهاتٍ وأوجاعاً وأنيناً.

داليا الحديدي