كتاب وأراء

وداعــا ريــاض نجـيـب الريـس

رشا عمران
كاتبة سورية
ثمة أشخاص يأتون إلى هذه الحياة ويغادرونها وكأن قدومهم كان لأجل استمرار الحياة فقط، غالبيتنا هكذا، أقصد غالبية البشر، تولد وتعيش حياتها وتغادر باكرا أو بعد عمر طويل، دون أن تترك أثرا في حياتها يتعدى محيط عائلتها ومعارفها، لكن هذه هي الحياة عموما، وهذا ما يجعل دورة الحياة مستمرة، فإنجاب الأطفال الذين سينجبون أطفالا بدورهم وهكذا.. هو ما يعمر الحياة، أثرنا نحن البشر، يكمن هنا، في أن ننجب أولادا ليبقى الكون عامرا، كأنما أتينا إلى هذه الحياة لغاية هذا الغرض فقط، وحين سنغادرها سنغادرها بخفة قدومنا إليها، تاركين خلفنا كل شيء، حتى ذاكرة الآخرين عنا سوف تختفي بعد حين (تُنسى كأنك لم تكن)، قاس جدا هذا المصير، لكنه مصير البشرية بكل كائناتها، دورة الحياة التي لا تكتمل إلا بالموت، وهنا تكمن المفارقة العجيبة في سردية الحياة والموت.
بيد أن ثمة أشخاصا، تشعر أن قدومهم إلى الحياة لم يكن لنفس الهدف الذي جاء لأجله مليارات مليارات البشر عبر التاريخ، هؤلاء النادرون، جاؤوا ليغيروا، ليتركوا علامات تدل على الأزمان التي عاشوا بها، ليتركوا ما يغير في سيرورة الحياة السائدة، ليجددوا في الحضارات الإنسانية!
قبل يومين رحل رياض نجيب الريس، أحد هؤلاء الاستثنائيين حاليا، ولا أظن أن هناك مثقفا عربيا يشتغل في مهن الصحافة والثقافة والكتابة والفن، أو قارئا ومتابعا إلا ويعرف جيدا من هو رياض نجيب الريس وماذا فعل طيلة حياته لمشروع الثقافة العربية، إذ شكلت (دار الريس للنشر) المرجع الأهم في عالم نشر الكتاب العربي والمترجم إلى اللغة العربية، ليس فقط لحجم ما كانت تنشره من الكتب، بل لنوعيتها وأهميتها، فأن يكون الكتاب صادرا عن دار الريس كان هذا بمثابة صك جودة للقارئ، أما عن دوره في الصحافة العربية فلهذا شأن آخر، يكفي تذكر مجلة الناقد ثم لاحقا النقاد، ليعرف القارئ عن أي صحافة كان يبحث رياض نجيب الريس، يكفي أن نتذكر أن مجلة الناقد منعت في كثير من الدول العربية، أو كانت تصل إلى سوريا، مثلا، بصفحات ناقصة أو مقصوصة، كانت «الناقد» واحدة من أهم المجلات الثقافية التي تنشر لجيل الكتاب العرب المرفوض في منابر بلاده، مجلة للثقافة الليبرالية الحرة التي لا تتوقف عن نقد الجميع في السياسة والثقافة، بحيث أسقطت كل الرموز من عليائها دون أن تسقط في فخ المبتذل، وظلت محافظة على التوازن بين الرصانة الثقافية والنقد التهكمي اللاذع، في استثناء لا شبيه له في الصحافة العربية! أما عن رياض نجيب الريس كشخصية ثقافية فيكفي أن مكتبه في دار الريس في بيروت، التي قصدها أول شبابه حينما كانت حلم الثقافة والصحافة العربية، كان ملتقى حقيقيا لتقدميي المثقفين العرب، ممن كانوا في بيروت أو كانوا يقصدونها زيارة أو دعوة أو عملا، مثلما كان (مقهى باريس) في منتصف شارع الحمراء البيروتي، أحد أماكنه المفضلة لمواعيد الصباح، حيث كانت طاولته محاطة بأكبر عدد من الضحكات والأصدقاء.
لم يتح لرياض الريس أن يشهد نتائج جيدة للربيع العربي، ما حدث في هذه الدول، وفي سوريا تحديدا، أصابه باليأس والحزن والخذلان كما كتب ذات مرة، وكما كان الأصدقاء يخبرون عنه، الإجرام الذي حدث بحق السوريين، وتدمير سوريا، والاصطفافات الطائفية، والتنظيمات الإسلامية الراديكالية بكل ما خلفته في المجتمع السوري الثائر، والانقلابات في الثورة، مع ما يحدث في لبنان، من خراب سياسي وفساد مالي، ومحاولات للقضاء على أي حراك شعبي، ثم انفجار المرفأ، وهو نقطة البداية للقضاء على ما تبقى من لبنان، كل ذلك جعل من رياض الريس، السوري المولد والهوية واللبناني الهوى، والعروبي إلى حد كبير، يفقد آخر رغبته في الحياة، وهو المصاب بفشل كلوي تبعه على ما يبدو فشل في الأمل، في سنة الفيروسات بحق، ليس فيروس كورونا سوى أقلها خطرا قياسا بفيروسات السياسة العالمية والعربية ومافياتها، التي تستهدف المستقبل العربي مثلما استهدفت حاضره وماضيه! قرأت أن رياض نجيب الريس قد أصيب بفيروس كورونا قبل رحيله، وهو المصاب بفشل كلوي كما قلنا، ربما سرع الفيروس في رحيله، ولكنني أظن أن من مثله قد فقد رغبته في المقاومة ضد مرضه الشخصي بينما ينهار حوله كل شيء: الثقافة والصحافة والأوطان التي أحبها، رحل خفيفا في عام الفيروس، لكن اسم رياض نجيب الريس لا يمكن أن يغيب طالما هناك قارئ واحد في بلادنا العربية.

رشا عمران