كتاب وأراء

الإرهاب واحد.. والوجوه متعددة

لم يعد الإرهاب، على أنواعه، يميز بين بلد وآخر أو جنسية وأخرى أو مذهب وآخر، فهو بات متنقلا وعشوائيا هدفه إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا. أما المخطط والمرتكب فهو يتبدل ويتغير بحسب الغاية والظرف، سواء كان تنظيماً أصولياً أو إرهابيا أو دولاً أو نظاماً قمعياً إرهابيا أو...
ووسيلة الإرهاب المفضلة اليوم هي الانتحاري الذي «يساويك بنفسه» عندما يفجر الآخر في اللحظة التي يفجر فيها نفسه، بعد ان كانت البداية في تفجير سيارة مفخخة، وهذه كانت أول وسيلة عرفها اللبنانيون قبل نحو أربعة عقود. وقبل أيام عرف اللبنانيون «تطورا نوعياً» بقيام أربعة انتحاريين بتفجير أنفسهم دفعة واحدة، ثم تبعهم بعد ساعات أربعة آخرين فجروا أنفسهم في بلدة تدعى القاع، في البقاع الشمالي، على مقربة من الحدود السورية. الأهداف؟ سكان آمنيين يعيشون حياتهم، بعضهم استيقظ من نومه، وبعضهم الآخر ذاهب إلى حقله، وثالث مساء أمام كنيسة البلدة، ليلاقي عدد من هؤلاء حتفه من دون أي ذنب ارتكبه!
من هم هؤلاء الانتحاريون؟ هل هم «داعشيون»؟ ومن أين أتوا؟ ولماذا استهدفوا أهالي هذه البلدة بهذه الوجشية؟ التحقيقات تشير إلى انهم سوريون يؤكد وزير الداخلية انهم قدموا من محافظة الرقة السورية، فيما يصر «حزب الله» على انهم تسللوا من مخيمات النزوح السوري في بلدة عرسال اللبنانية الحدودية، التي يعتبرها حسن نصرالله معقلا لتنظيم «الدولة الإسلامية». أكثرية سكان القاع هم من المسيحيين، الذين عانوا الأمرين منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975. فقد تعرضت البلدة عام 1978 لعملية «عقاب» لا بل إرهاب جماعي من قبل الجيش السوري، الذي ارتكب مجزرة ذبح خلالها 28 شخصاً من أهاليها العزل القابعين في بيوتهم، وأدى إلى تهجير معظم سكانها، «انتقاما» للنائب السابق طوني فرنجيه، ابن رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجيه الذي كان حليفا لنظام حافظ الأسد، والذي كان قد إغتيل قبل اسبوعين من تاريخ ارتكاب تلك المجزرة، من قبل مجموعة تنتمي إلى حزب الكتائب.
غير ان المفارقة تكمن في ان المجموعة التي قامت باغتيال فرنجيه كانت تحظى بغطاء سوري لأنها عبرت من أمام حاجز للجيش السوري يقع على بعد مئات الامتار من منزل المغدور. كان هدف النظام السوري يومها إيقاع الفتنة بين الاحزاب والقوى المسيحية ودفعها إلى الانقسام بين معسكري الصراع كي بيقى ممسكاً بخيوط لعبة اتون الحرب الأهلية. وهذا ما حصل عمليا بعد ذلك، فاستمرت اللعبة أكثر من عشر سنوات!
وخلال كل تلك السنوات ظلت القاع متروكة ومنسية من الدولة، ناهيك عن قيام النظام السوري بضم قسم من أراضيها بما يشبه «سيناريو مزارع شبعا» التي تحتلها اسرائيل. كما ان القاع ترمز مع بلدة رأس بعلبك المجاورة إلى حضور مسيحي في عمق البقاع السحيق، وهي ظاهرة يتميز بها لبنان، بحسب ما سجلته احصائيات جدية ودراسات لعلماء اجتماع، أي تجاور المسيحيين وتعايشهم ضمن قرى مختلطة مع المسلمين، سواء كانوا من الشيعة أم من السنة، أكثر مما يتعايش أصحاب المذهبين الإسلامييّن مع بعضهم البعض. فبالأمس، وعلى اثر الاعتداءات الإرهابية سارع بعض الأهالي إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم... لأنهم استنتجوا ان الخيار المطروح أمامهم هو دفعهم، ويا للمفارقة، إلى أحضان النظام السوري اذا كانوا يريدون البقاء في أرضهم، أو العيش بين فكي كماشة، تحت رحمة «حزب الله» الذي عرض نصرالله استعداده ل»حمايتهم برموش العين» كما قال، أو «الداعشيين» من جهة أخرى. أم أن المطلوب تهجيرهم في عملية تطهير مذهبي لكي تتحول المنطقة إلى أرض حاضنة لعمليات الحزب في سوريا!

بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان