+ A
A -
أرسلتْ زينبُ ابنة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تطلبُ حضوره عندها لأنَّ ابنها الصغير يحتضر.
فأرسلَ إليها يقول: إنَّ للهِ ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجل مسمى، فلتصبري ولتحتسبي.
فأرسلتْ إليه مجدداً تُقسِمُ عليه أن يأتيَها، فقامَ ومعه جماعة من أصحابه، فجِيء له بالصبيِّ، وأنفاسه تتقطع، ففاضتْ عيناه بالبُكاء!
فقال له سعد بن عُبادة: يا رسول اللهِ ما هذا؟
فقال له: هذه رحمة جعلَها اللهُ في قلوبِ عباده، إنما يرحمُ الله من عباده الرُّحماء!
الأبُ من بعد اللهِ سند، والفتاةُ لا تستغني عن أبيها ولو صار لها زوج وأولاد، للأب نكهة أخرى ليستْ في أحد، فتفقَّدوا بناتِكم بعد الزواج، زوروهُنَّ في بيوتهن، شارِكوهُنَّ لحظات الفرح، ولا تُفوِّتوا أبداً لحظات الحُزن، إن البنت الصغيرة التي عندها صوت أبيها في البيت أكثر أمناً من كل أقفال العالم لا تستغني عن هذا الأمان حين تكبر، فتذكَّروا يا معشر الآباء نحن نُزوِّج بناتنا ولا نتخلَّص منهن!
البكاءُ عند الفقدِ لا يتعارض مع الرضى بقدرِ الله تعالى، على العكس تماماً فالمُؤمن عذبُ النفسِ، رقيقُ القلبِ، طيِّبُ المشاعرِ، ومن الطبيعي أن يبكي إذا ما فقدَ عزيزاً، وها هو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يبكي لما رأى من احتضارِ ابن ابنته وهو سيد الرجال، وسيد الراضين بقدرِ الله، فلا تنظروا إلى البكاء على أنه ضعف، البكاء مريح للنفس عند المصائب، بعكس الكتمان الذي يخنقُ النفس، ويكبتُ على الروح، وهذا ليس من مواطن المكابرة!
وفي هذا يقول امرؤ القيس:
وإن شفائي عَبرةٌ مهراقة
فهل عند رسْمٍ دارسٍ من معول؟
وأجمل منه ما حكاه المُحدِّث والفقيه أبو بكر بن عياش، قال:
كنتُ وأنا شاب إذا أصابتني مُصيبة تصبَّرتُ لها، ورددتُ البكاء عن نفسي، فكان ذلك يُوجعُني ويزيدُني ألماً، حتى رأيتُ يوماً أعرابياً واقفاً وقد اجتمع الناس حوله يُنشِد:
خليليَّ عوجا من صدور الرَّواحلِ
بجمهور حُزوى وابكيا في المنازلِ
لعلَّ انحدارَ الدَّمعِ يُعْقِبُ راحةً
من الوجدِ أو يشفي نجيَّ البلابل
فسألتُ عنه فقيل: هذا هو الشاعر ذو الرمة.
فأصابتني بعد ذلك مصائب، فكنتُ أبكي منها فأجدُ راحة، وأقول في نفسي: سُبحان الله، ما أبصر هذا الأعرابي وما أعلمه!
على أن بكاء العين والقلب ممتلئ رضىً وتسليماً شيء، والنواح، ورفع الصوت، وشق الثياب وشد الشعر شيء آخر، فهذا وجه من وجوه السَّخط على قدر الله!
بقلم: أدهم شرقاوي
copy short url   نسخ
27/09/2020
2987