كتاب وأراء

أفواهٌ مطبقة وأرواح تحترق !

خولة مرتضوي
إعلامية وباحثة أكاديمية - جامعة قطر
الوالديَّة هذه المنحة الربانيَّة الرفيعة المستوى تُحمِّل أصحابها مسؤولية كبيرة تجاه أنفسهم كآباء وأمهات وتجاه أبنائهم (فلذات أكبادهم) وتجاه دينهم ومجتمعهم، هذه المنحة التي حُرم منها الكثير بسبب ظروف مختلفة يجب أن تُعامل معاملة فاضلة، وألا يتم الاستهتار بها أو التقليل من شأنِها. أوقل ذلك وفي القلب غصَّة على الكثير من المشاهد في محيطنا المجتمعي، هذا المجتمع الإنساني العريض التي قوضتهُ التكنولوجيا، وأصبح ما يحدث في الصين؛ يحدُث الآن أمام بؤبؤ العين، هذا القرب الذي يحمل معه الدهشة، ويحمل معه كافة المشاعر التي يصاحبها هذا الموقف أو ذاك تجاه طفل أو طفلة تتعرَّض للعُنف والتهميش والظلم من قبل والديها؛ جعلني أعيد التفكير في هذه المنحة الكبرى (الوالديَّة)، فليس كُلُّ الآباء يستحقون هذا اللقب وهذا التكليف العظيم، بعض الآباء وحوشٌ تتربَّص بفلذات أكبادِها، وحوشٌ قارضة لا ترحم ولا تسمح للرحمة أن تتفشى في علاقتها (غير الإنسانيَّة) مع هذا الطفل أو ذاك، بعض الآباء يحتاجون إلى أقسى أنواع العقوبة بسبب استهتارهم بأبنائهم وعدم تقديرهم لهذه المنحة الكُبرى!
مشاهد قاسية لأبٍ يغتصِب ابنته الصغيرة والأم خرساء صامتة لا تتقدَّم خطوة نحو بنتها ولا تتأخر، مشاهد لأبٍ يضرب صغيرة بشكل وحشي ليفرِّغ عقدَهُ النفسية، مشاهد لأمٍ تترك أبناءها مع الخدم والحشم لتنصرِف إلى ضروب حياتها الثانية ولا تسأل عن هؤلاء الأطفال، كيف أصبحوا وكيف أمسوا، مناظر لمربيات يقمن بضرب وتعنيف وتجريح الأطفال الذين كُلفوا بتربيتهم والاهتمام بهم (بالنيابة عن الوالدين الكرام)، وقس على ذلك الكثير من سيناريوهات العنيف والتحرُّش والتهميش والتفويض لمن لا يرحم. هذا هو واقع الكثير من الحالات المسكوت عنها قانونيًا ومجتمعيًا، واقع مرير يجعلك توقِن أن للوالدية مراتب معينة، وأن هذا التكليف الجليل يؤديه البشر على درجاتٍ مختلفة تصِل إلى حدّ هذه الدركات الكبيرة، وسؤالي لهؤلاء: لمَ أنجبتم هؤلاء إن كنتم تعلمون أنَّكم غير مؤهلين وغير أكفَّاء لتحمُّل هذه المسؤولية الإنسانية الكبيرة؟
ألم يعلم هؤلاء الآباء أنَّ هذا الحصاد المُرّ سيجنونه في أقرَب الآجال؟ فهذه النبتة التي أنتجوها يومًا وسقوها بماءِ الظُلم والقسوة والعُنف؛ ستطرحُ ويلاتٍ وعجَب، الفردُ الصالح يُنتجُ عادةً في بيئةٍ طبيعية (صحية وسليمة) توفَّر لهُ حدَّ الرعاية المطلوبِ جسديًا ونفسيًا وعلميًا ودينيًا وخُلقيًا، تُنتجُهُ عبر السنين ليخرُج للمجتمع، في كافة مراحِل حياته، وهو على قدرٍ كافٍ من الجاهزيَّة العقليَّة والروحيَّة لخوض رحلته وشَق طريقه بسلام وإنتاجيَّة في هذه الحياة، وفي الفرد الطالح يُنتج عادةً في بيئةٍ لا تتوفَّرُ فيها العوامل الطبيعيَّة، حيث تكون هناك أشياء شاذة تجعل عملية تربية هذا الفرد تمُر بمخاضٍ أليم، فتجد (مثلًا) أنَّ أحد الوالدين يُعامل الطفل معاملة قاسية وغير طبيعية، فإما بالاعتداء عليه جنسيًا أو تعنيفه جسديًا أو التقليل من شأنه والتنمُّر عليه وإرهابه نفسيًا أو حتى إهمالِهِ تمامًا، إهماله كقطعة ديكور جميلة، وتفويض أمرِه إلى آخرين؛ ليقوموا بـ (واجِب) مُراعاته وتربيته وتهذيبه وتقديمه للمجتمع. هذا الفرد الطالح الذي تأذَّى، بمختلف أشكال الأذى، من قبل أقرب الناس وأحفظهم له (بديهيًا) هو ثمرةٌ طبيعيةٌ وحصادٌ فاسِدٌ لما زرعهُ الآباء في البداية، هذا العنف والظلم والتهميش يُعتبرُ حلقةً أولى لها تبعاتُها التي -أسفًا- لن يدفع ثمنها فقط الشخص المُعنَّف أو حتى والديه المهملين، بل سيدفعهُ المجتمع برمته، فكُل من سيصِل من قريبٍ أو بعيد بهذا الحصادِ المُرِّ؛ سيصِلُه شيءٌ (متوقَّع) من مجموع هذا الشتات.
هذا الحصاد الفاسِد سيظهرُ كردَّة فعل معاكسة، فالطفل المعنَّف والمظلوم الذي يُعانِي من السُلطة الأبويَّة سيُعنِّف غيره، فستنتقِل حلقة العُنف المزروعة (تلقائيًا) إلى ممارسة هذا العنف وهذه الغطرسة على الآخرين، ابتداءً من مؤسسة المدرسة إلى دُنيا العمل، وصولًا إلى بوابات الحياة الاجتماعيَّة العريضة، ولكلّ هذه المراحل آثارها وتوابعها، ومن عودة والداه على سلطة منطق القوَّة فلن يقبل في حياته القادمة -إن لم يُقوِّم نفسه ويستنهضها من جديد- بأن يُعامِل محيطه بقوَّة المنطِق إطلاقًا. الأسرة، وهي النواةُ الاجتماعيَّةُ الأولى التي يأخذُ منها الفرد غالبيَّة سلوكياته ومعتقداتِه وقابليته للحياة أحيانًا تقومُ بتوليد إنسان مكسُور مهزوم يُفرغُ غضبَهَ وحُنقهُ على العالمين من حوله، فتفكك الأسرة وانفصال الوالدين أو حتى انشغالهم التام عوامِل خطرة تؤدي إلى تنشئة هذا الفرد المعلول المقهور الذي يظهر في المجتمع إما جامحًا في العنف والسيكوباتية وإما خجولًا منطويًا مضطربًا.
إنَّ ازدياد حالات عنف الوالدين ضد الأطفال ظاهرة خطيرة تتنامى وتتفشَّى بسرعة في المجتمع، وما يصلُنا، عبر منصَّات التواصُل الاجتماعي وغيرها من القنوات، قليلٌ جدًا ولا يعكِس الواقِع المسكُوتِ عنه، فالجميع يطمئن إلى الفكرة البديهيَّة: أنَّ الوالدين هُم أحفَظُ الناس لأبنائِهم وأكثرهُم خوفًا عليهم ومراعاةً، بينما في بعض الظلال الرماديَّة المتوارية هناك من يزرعُ الحنظَل (بمختلف درجاته) في أبنائه ولن يحصد منهم إلا المُرّ عاجله وآجله.
للحديث بقيَّة إن شاء الله تعالى

خولة مرتضوي