كتاب وأراء

سمير حمدي .. مشكلات المجال الديني في تونس

بعد وصوله إلى السلطة اثر انقلاب 07-11 - 1987 ركز نظام زين العابدين بن علي على بناء خطاب ديني سلطوي يتم تمريره في المساجد الغاية منه ضبط الشأن الديني وإضعاف قدرته على التأثير سواء من خلال تعيين الأئمة والإطارات المسجدية استنادا لمبدأ الولاء للسلطة أو بضبط أوقات فتح المساجد ومنع الدروس الدعوية ومن خلال تحديد المواضيع المسموح خطابيا بتناولها على منابر الجوامع.
ولقد كان لسياسة بن علي التي قامت على ما سُمي «بتجفيف المنابع» والتضييق على مجالات التدين عموما (مثل منع الحجاب) أثرها في خلق أشكال من التوتر المكتوم بلغت ذروتها بعد الخطوات المثيرة للجدل التي عمد إليها النظام حينها من قبيل إلغاء موسم الحج سنة 2009 وصولا إلى منع الأذان بمكبرات الصوت كما طالبت به إحدى عضوات مجلس المستشارين سنة 2010 وإغلاق بعض المساجد ومنع الصلاة فيها وهو ما كان دافعا لتخليق أشكال من الاحتجاج سيكون لها حضورها أثناء الثورة التونسية. وبعد ثورة 14 يناير 2011 وفي ظل اتساع مجال الحريات تم إبعاد اغلب الأئمة الذين نصبهم نظام بن علي وكان الإشكال يكمن في تعدد الجهات التي سيطرت على المنابر بين جهات حزبية وقوى أو جماعات عقائدية الأمر الذي خلق خطابا دينيا غير متجانس لا يلتزم في كل الأحيان بأجندة واحدة أو واضحة.
لقد كانت المعضلة الناشئة بعد الثورة تكمن في السؤال كيف يمكن أن نحفظ للمساجد جانبا من حريتها وفي ذات الوقت تحافظ الدولة على حضورها بحيث لا تتحول هذه المنابر الدينية إلى منصات قد تهدد السلم الأهلي في البلاد؟
رغم أن الدستور التونسي قد أشار في فصله السادس من المبادئ العامة إلى المسألة الدينية حيث أكد على أن «الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي» وهو ما يعني أن المطلوب هو منع أي محاولة لتحويل منابر المساجد إلى أبواق تدعو للأحزاب والجماعات دون أن يعني هذا حجرا على الأئمة في إبداء بعض التصورات أو المواقف السياسية العامة وفق الضوابط الدينية وبعيدا عن منطق التورط في تهديد أسس الدولة القائمة.
إن التجاذبات الحاصلة في المشهد الديني في تونس اليوم تكمن في سوء تقدير طرفي الصراع لمعنى حياد المساجد أو طبيعة المساحة التي يتحرك ضمنها الخطاب الديني فما بادرت إليه السلطة الحالية من إقالة عدد مهم من الأئمة بل وفرض هذه القرارات من خلال القوة العامة وفي المقابل المقاومة التي أبداها رواد بعض المساجد الكبرى لمثل هذه القرارات، يشير إلى مدى التعثر في تحويل المبادئ الدستورية المجردة المنظمة للحياة الدينية إلى ممارسة فعلية حيث لازال التعامل مع هذا القطاع الحساس يعاني من تصورات متوارثة عن زمن الاستبداد. بين تصور موروث من زمن الاستبداد يقوم على منطق أن المساجد لا ينبغي أن تتدخل في الشأن العام وعليها أن تكتفي بالحد الأدنى في المجال الديني وبين القادمين الجدد للمساجد بعد الثورة وفكرتهم حول الدور الأساسي للمسجد بوصفه قوة ضاغطة نحو مزيد «أسلمة» المجتمع والانتصار للخطاب الديني في صورته الأكثر نقاء وأصولية. وكلا الموقفين يشكل أزمة فعلية فلا ينبغي ارتهان المساجد لخطابات مناوئة للسلطة كما أنه من الخطر تدجين مواقع العبادة والعودة بها إلى زمن الاستبداد حيث سينصرف عنها قطاع مهم من الشباب لتلقي فتاوى غير معروفة المصدر مع ما قد يؤدي إليه من سلوك عنيف أو متطرف وهو أمر عرفت له تونس أشباها ونظائر كثيرة زمن بن علي حيث لم تشفع له الرقابة على المساجد من ظهور جماعات عنيفة وحركات راديكالية تناوئ السلطة بل وتعادي المجتمع وهو أمر يقتضي من السلطة اليوم كثيرا من الحكمة في التعامل مع الشأن الديني بمخاطره ومحاذيره.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي