كتاب وأراء

أعيادنا أول وتالي

لو سألت أي خليجي عاش في ما صار يعرف بـ «زمن الطيبين» أو شهد ردحا منه عن العيد كيف كان وطلبت منه مقارنته بالعيد هذه الأيام لقال من دون تردد إنه في تلك الأيام كان أفضل وأحلى وأن الجميع كان يشعر به ويفرح بينما العيد في يومنا هذا لا طعم له ولا لون ولا رائحة وإنه يأتي وينتهي من دون أن نشعر به. ولو عرضت فيلما وثائقيا عن العيد في دول مجلس التعاون قبل أربعين سنة مثلا وشاهده الأبناء اليوم لشعروا أنه كان بالفعل غير ولعلهم تمنوا لو أنهم عاشوه أو تساءلوا عما إذا كان بالإمكان استنساخه. يكفي الأبناء مشاهدة الألعاب الشعبية التي تهتم بها الجهات المعنية بالتراث في دول التعاون وخصوصا في دولة قطر ليقروا بأنها أكثر متعة من ألعابهم الكثيرة اليوم والمتطورة، وليقروا من ثم أن العيد قبل أطعم من العيد في أيامهم هذه.
في تلك الأيام كان الناس يستعدون ليوم العيد استعدادا غير عادي فيشترون الملابس الجديدة وينتظرون قدوم اليوم الموعود كي يرتدونها، بل أن بعض الأطفال كان من شدة فرحته يلبس ثيابه الجديدة وينام فيها! ثم في الصباح يتوجه الجميع إلى صلاة العيد التي مع انتهائها تموج «الفرجان» بالحركة وترتسم الفرحة على وجوه الجميع، صغارا وكبارا. كان الناس في العيد ينسون خصوماتهم فيباركون لبعضهم البعض بحلوله، وكانوا يتوقفون لتهنئة حتى من لا يعرفون، ففرحة الناس بعيد رمضان تعبير عن فرحتهم بتوفقهم في صيام الشهر الكريم والعتق من النار، ويكفيهم هذا لينسوا كل عداء أو خلاف عالق فيما بينهم فيقبلون على بعضهم البعض ويتزاورون مهنئين بهذه المناسبة العظيمة.
لكن هذا لا يعني أن العيد اليوم دون القيمة ودون الفرحة، فالفرحة بالعيد بالنسبة للمسلمين فرحة كبرى وإن اختلفت العادات وقل الالتزام بالتقاليد، فصلاة العيد مثلا هي نفسها لم تتغير والجميع يحافظ عليها، والتعبير عن الفرحة بارتداء الملابس الجديدة هو نفسه لم يتغير أيضا، وما أدرانا لعل أطفال اليوم يفرحون بالعيد أكثر منا نحن الذين شهدنا العيد في ذلك «الوطر» الجميل والذي لا تزال مظاهره تملأ ذاكرتنا وتجرنا إلى الماضي الذي يؤرشف ذكرياتنا.
الشيء الجميل الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن الآباء والأمهات في دول الخليج العربي اليوم يحرصون على توجيه أبنائهم وبناتهم للقيام بواجباتهم في هذه المناسبة، فيدفعونهم إلى تهنئة كبارهم ويعلمونهم كيفية تقديم التهاني ويشعرونهم بأن هذه المناسبة مناسبة عظيمة وأنها تستحق أن يلبسوا من أجلها الملابس الجديدة ويحتفلوا.
ربما كان مناسبا توظيف الأماكن المعبرة عن حياة أهل الخليج العربي في الزمن الجميل لتعزيز القيم الجميلة والحث على التمسك بالعادات والتقاليد، ولعل سوق واقف في الدوحة يصير مثالا في هذا الخصوص، ففي هذا السوق تتوفر كل الظروف المعينة على استرجاع الماضي الجميل وتلقينه لأبناء اليوم والغد. وكل عام وأنتم بخير.. وعساكم من العايدين.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن