كتاب وأراء

أسئلة الصحافة والشعراء السوريين

رشا عمران
كاتبة سورية
منذ بداية الربيع العربي ومعها الثورة السورية، وانتقالي للعيش خارج سوريا، وجهت إليّ الكثير من الأسئلة الصحفية، وأرسلت لي حوارات لصالح مواقع وصحف ثقافية وسياسية، عربية وأجنبية، معظم هذه الحوارات والأسئلة، وبعد السؤال الافتتاحي عن إصداراتي الأخيرة، تدور حول الوضع في سوريا، وحول رأيي بما يحدث، وكيف أرى الوضع، وكيف هي حياتي خارج وطني، وهل أثرت (الغربة والمنفى) على كتاباتي؟! والسؤال الدائم أيضا هو عن الشعر والشاعر السوري، وهل استطاع التعبير عن نبض الشارع ومواكبة الحدث السياسي والاجتماعي الحاصل في سوريا؟! وبطبيعة الحال فإن الشق المتعلق بحياتي في الغربة وأثر المنفى على كتاباتي أجيب عليه دائما، بأنني لا أعيش في غربة ولا في منفى، حيث إنني أعيش في بلد عربي أتحدث نفس لغته، والغربة برأيي الشخصي تكمن في اللغة أولا، حيث انعدام التواصل مع المجتمع الجديد هو ما ينمي إحساس الغربة والمنفى، وهو ما لا ينطبق عليّ، وفي الحقيقة هو لا ينطبق على كثير من السوريين الذين انتقلوا للعيش في بلدان العالم، إذ شكل السوريون، بسبب الأعداد الكبيرة التي لجأت إلى هذه الدول، مجتمعاتهم الخاصة، بحيث انتقلت التجمعات السورية من سوريا إلى دول أخرى، ما اختلف فقط هو المكان وطبيعته وثقافته، قلة من السوريين، الشباب ربما فقط، استطاعوا تحقيق الاندماج مع المجتمعات الجديدة، وعقد صلات اجتماعية مع أبناء البلدان الجديدة، أما الآخرون فيعيشون في تجمعات سورية، سياسية وثقافية، وحتى اقتصادية معيشية، وبكل حال، هذا لا يتعلق بالسوريين وحدهم، بل هو وضع غالبية المهاجرين، السابقين واللاحقين، من العرب وغيرهم، وكأنهم في تجمعاتهم هذه يحمون هويتهم من أن تنسحق داخل المجتمع الجديد، أقصد هنا الهوية الثقافية بما هي الانتماء الديني والمذهبي والقومي، وما يلحق ذلك من العادات والتقاليد وغيرها، وهي السمات والصفات التي تتصف بها مجموعة بشرية ما وتميزها عن المجوعات الأخرى.
أما السؤال الذي أقف عنده دائما فهو المتعلق بالشعر والشعراء السوريين، وعما إذا كانوا استطاعوا التعبير عن نبض الشارع السوري ومواكبة أحداث الثورة السورية ومتغيراتها، ونقل مشاعر السوريين في داخل سوريا وخارجها، وفي الحقيقة أفكر دائما بوضع الشعراء السوريين! هل يمكن التعامل معهم بوصفهم شريحة مجتمعية لها صفات وسمات خاصة، بحيث ما ينطبق على أحدهم قد ينطبق على الغالبية؟! أعتقد أن من يطرح سؤالا عن الشعر والشعراء السوريين في الثورة يظن فعلا أنهم شريحة واحدة، تتشابه في الكثير من السمات، مع أن الحقيقة أنه لا يوجد لا في سوريا ولا في غيرها شريحة مجتمعية ما، يمكن أن تتسم بصفات مميزة ومستقله بحيث يمكن السؤال عنها بوصفها كتلة واحدة! إذ أن شعراء سوريا، منذ بداية الثورة تحديدا، انقسموا واصطفوا نفس اصطفافات وانقسامات الشعب برمته، منهم من أعلن تأييده للثورة منذ أول لحظة، وشارك بها، سواء بالمظاهرات أو بمحاولات فك الحصار عن المحاصرين أو بالكتابة والترويج لها، ومنهم من أعلن موقفا مضادا للثورة بالكامل ووقف مع النظام، هذا الخطاب الذي تبنته كل أنظمة دول الربيع العربي ومازال صالحا للاستعمال حتى الآن معها، ومن الشعراء من تساءل في البدايات عما يحدث، وكانت لديه شكوك وأسئلة سرعان ما تحولت إلى موقف مضاد للثورة مع حالة التخوين التي جوبهت بها شكوكه من قبل طابور خاص كان في قلب الثورة، وكانت مهمته التخوين والتشكيك وخلق الإشاعات عن العمالة للنظام لكل من يتساءل ولو سؤال واحد حول ما يحدث، (هذا ما كان في غاية في الخطورة، ويجب البحث عمن كان يقف وراء هذا الطابور لفرط ما أساء للثورة وسمعتها وصورتها أمام الداخل السوري وأمام الرأي العام العالمي)! ومن الشعراء من صمت تماما ولم يعلن أي موقف لا سلبي ولا إيجابي ولم يطرح أي سؤال يتعلق بالوضع السوري، وظل يكتب شعرا عن حبيبته وعن الطبيعة الخضراء وعن العصافير، وعن مدينته الساحرة الجميلة ( وهي شبه مدمرة أو مدمرة بالكامل)، وكأنه يعيش في فقاعة مصمتة ولا تكشف ما يحدث حولها.
والحديث عن الشعراء ينطبق نفسه على كل المثقفين والفنانين وكل الشرائح المجتمعية السورية كما قلنا سابقا، إذ أن ما أصيب به السوريون خلال العقود الماضية من أمراض مجتمعية لم يستثن أحداً أبدا، المذهبية والطائفية والطبقية والمناطقية والمحسوبيات والتقرب من السلطة لغاية المصلحة الشخصية، والفردانية والتنافس غير الشريف والمزايدة بالوطنية والشرف، كلها أمراض مجتمعية مضادة للمواطنة، وكلها كانت موجودة في المجتمع السوري الذي لم يتح له أن يكون عقدا اجتماعيا مبنيا على مبدأ المواطنة والحقوق والواجبات، وإنما تم إنشاء هذا المجتمع في ظل قبضة أمنية أزالت منه كل صفاته المدنية، وحين تم التمرد على هذه القبضة وانزاحت قليلا بدأ العفن الكامن تحتها بالظهور! ما الذي سيجعل من الشعراء أو غيرهم ناجين من هذه الأمراض؟! لا شيء مطلقا، ولن يتغير الأمر قريبا، فما أسس له عبر عقود سوف يحتاج إلى عقود مشابهة ليتغير، طريق السوريين طويل جدا، والشعراء طابور من الطوابير التي تسير في هذا الطريق الطويل.

رشا عمران