كتاب وأراء

«لولاك ما ظلموا»

خالد وليد محمود
كاتب عربي

مما يروى عن ابن تيمية أنه لمّا كان في سجن القلعة بدمشق سأله أحد الحرّاس أن يسامحه لأجل ما يفعله به بحجة أنه «عبدٌ مأمور»، فرد عليه ابن تيمية: «لولاك ما ظلموا». إن هذه الجملة لها منطقها، فالمستبدّ لا يستبدّ وحده بل يحتاج لمساعدين ومعاونين، ولذلك كثر عبيد «المأمور»، وصارت هذه الصفة بالتدريج قوة في نظر البعض.
لا شك أن مشكلة الإنسان منذ الخليقة هي الكبر والغطرسة وعبادة الشخصية، وكما عرفنا وقرأنا كان هناك طغاة وكهنة طالبوا الناس بتقديسهم وعبادتهم والسجود لهم والانصياع الكامل لإرادتهم، وعلى مدار التاريخ هؤلاء في أنفسهم مقدرةً على مجاراة الكون في سننه أو مصارعته في ثوابته فكانت نهايتهم الحتمية هي الدليل الكافي على سوء صنيعه، وبالمقابل كان هناك دائما جوقة من الكذابين المتزلفين والمنافقين والأتباع وسحرة الكلام ومعسولي الألسن، تبيّن أن هذه الفئة هي الأخطر - ببعض الأحيان- من الطاغية نفسه، لأنه هؤلاء يبررون الأفعال ويغدقون عليها صفة القدسية والشرعية.
إن أعوان الظلمة هم أولئك الساكتون الصامتون عن الحق، ومن يبررون ويعينون ويساهمون في إدامة الظلم وبقاءه، هم أولئك الذين يكتبون الحروف أو يلوون الرؤوس أو يعلقون استهزاء أو كذبا..
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا.. فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ
تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ.. يدعو عليك، وعينُ الله لم تنمِ
عندما قال العرب «الظلم مرتعه وخيم» كانوا يدركون أن الظلم مهما استمر فإنه في يوم من الأيام سيأكل بعضه بعضا، وذلك لأن الجشع الذي في نفوس الظالمين يسري في دمهم مهما بلغت أرصدتهم وسينقلب الكبير على الذي أدنى منه مرتبة وبالتالي سينفرط العقد الذي كان يربطهم..
وعلى سبيل الاطمئنان ثمة آية قرآنية وسنة كونية راسخة بأن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فمن مكر فإن مكره عائد إليه، ومن خدع الناس خُدِع، ومن احتال احتيل عليه، والجزاء من جنس العمل وسنة الله لا تتبدل.
Khalid_april@hotmail.com

خالد وليد محمود