كتاب وأراء

جامعة ستانفورد العريقة

حمد حسن التميمي ـــــــ
توقف قطار في إحدى المحطات التابعة لمدينة بوسطن الأميركية، فخرج منه زوجان يرتديان ملابس بسيطة توحي بفقرهما وتواضع حالهما.
كانت الزوجة تلبس ثوباً من القطن، في حين يرتدي الزوج بزَّة متواضعة صنعها بنفسه.
وعلى استحياء وبخطوات خجولة، اتجه الزوجان بشكل فوري إلى مكتب رئيس جامعة هارفارد، دون أن يكون بينهما وبينه موعد مسبق.
وقالت مديرة مكتب رئيس الجامعة للزوجين الذين قدما من القرية: «إن الرئيس مشغول اليوم»، ولن يتمكن من مقابلتكما.
فسارعت السيدة الريفية إلى الرد على المديرة بثقة قائلة: «سوف نجلس وننتظره».
وبقي الزوجان ينتظران ساعات طويلة دون اكتراث من السكرتيرة التي أهملتهما تماماً، وكانت ترجو أن يسأما ويفقدا الأمل الذي يبدو واضحاً على وجهيهما، فيغادرا المكتب دون رجعة، ولكن هيهات هيهات، فقد جاء الزوجان - كما يبدو - بخصوص مسألة مهمة.
مرَّ الوقت بطيئاً، غير أن الزوجين ظلّا مصمّمين على انتظار الرئيس، فبدأت السكرتيرة تستشيط غضباً، وحينها قررت مقاطعة اجتماع رئيسها، ورجته أن يقابلهما ولو لبضع دقائق على أمل أن ينصرفا بعد ذلك.
بدت معالم الغضب على وجه الرئيس وهزَّ رأسه بامتعاض، فشخص بمثل منصبه ليس لديه متَّسع من الوقت لمقابلة أشخاص عاديين، إلى جانب أنه يمقت الثياب القطنية البالية وكل من هم على شاكلة الفلاحين. غير أنه وافق مُكرهاً على استقبالهما لبضع دقائق فحسب، علَّهما يرحلان سريعاً.
ولمـــَّــا دخل الزوجان مكتب الرئيس، أخبرته الزوجة أنه كان لديهما ابن درس في جامعة هارفارد مدة سنة كاملة، لكن مات إثر حادث فجائي. وبما أنه كان يعيش في سعادة غامرة تلك الفترة التي أمضاها في هذه الجامعة العريقة، فلقد قررا التبرع للجامعة تخليداً لذكرى ابنهما.
لم تؤثر القصة في الرئيس الذي بدا غير مكترث، ورد بقسوة: سيدتي، لا نستطيع أن نخلد ذكرى كل من درس عندنا ثم توفي، وإلا لتحولت الجامعة إلى غابة من النصب التذكارية.
فردت عليه السيدة: ليست غايتنا أن يوضع تمثال لابننا، كل ما نريده هو أن نقدم بناءً يحمل اسمه إلى جامعة هارفارد.
لم يكترث الرئيس بما قالته الزوجة، ونظر إلى الزوجين باحتقار، ثم قال بسخرية: هل عندكما فكرة حول تكاليف بناء مبنى مثل هذا البناء؟ لقد دفعنا لبناء مباني الجامعة ما يقارب 7 ملايين دولار!
ساد الصمت الأرجاء للحظات، اعتقد الرئيس خلالها أنه نجح في التخلص من الزوجين، لكن الزوجة التفتت لزوجها وقالت: سيد ستانفورد، طالما أن هذه هي تكلفة بناء جامعة كاملة، فما رأيك أن ننشئ جامعة جديدة باسم ابننا؟
تبسّم الزوج وهز رأسه موافقاً.
ثم انصرف الزوجان «ليلند ستانفورد وجين ستانفورد» وسط دهشة الرئيس وخيبة أمله، واتجها نحو كاليفورنيا حيث قاما بتأسيس جامعة ستانفورد العريقة، التي ظلت تحمل اسم عائلتهما وتخلد ذكرى ولدهما الذي لم يكترث له رئيس جامعة هارفارد ولم يقدّره حق قدره، وحدث ذلك كله عام 1884م.
إن الإنسان الواعي لا يحكم على الآخرين من مظهرهم الخارجي أو طريقة كلامهم، لذلك فمن المهم أن نصغي للآخر ونحترم الناس على اختلاف أشكالهم وأعراقهم ودياناتهم وحالتهم المادية ومكان نشأتهم، فالكتاب لا يُقرأ من عنوانه، والإنسان لا يختار أين يولد ولا أين يموت، فكيف نحكم على الغير بناء على ذلك؟! وكيف نحكم على الناس من خلال شيء لم يختاروه، بل ولدوا عليه.
إن أفضل الناس من أحب الآخرين بمعزل عن أي مصلحة أو أحكام مسبقة، فخير الناس من رأى الإنسان الكامن في قلب كل إنسان.

حمد حسن التميمي