كتاب وأراء

لا تخسر ابنك

اطلعت على قصة شاب يروي على منصات التواصل الطريقة التي ربته عليها والدته، فيحكي أنه نشأ بين أب يعمل كمهندس وأم متعلمة لكن متفرغة للعمل على رعاية أسرتها.
يعترف الشاب أن والده لم يكن يحب أمه، والأدهى أنه كان حريصا على نقل مشاعر الكراهية لها. فكان دائم المقارنة بين هيئتها وهيئة نجمات السينما، كما كان يسخر من قوامها وشَعرها وأظافرها المتقصفة بسبب خدمة أهل بيتها. كذلك كان عصبيا ودائم المعايرة للأم لكونها يتيمة فقد تربت على يد زوجة والدها حيث ماتت أمها وهي صغيرة ولا مكان آخر تلجأ إليه.
بالمقابل كرست الأم كل حياتها لصغيرها، وحين حاول تقليد والده المدخن، كانت تنصحه بلطف بعدم إزهاق ماله في إيذاء صحته. كما كانت توصيه بالصلاة فيما كان والده تاركا لها. والجميل أنها كانت تعتبر ابنها كاتم أسرارها وصديق عمرها وكانت تضمه وتغمض عينيها في راحة وكأنها تحمد الله أنه جعل من ابنها سندا لها.
كان والده يقول للأم: اضربيه لكي يتعلم، فكانت تسكت ثم تعتذر للابن بعدها عن كلمات الأب.
وفي يوم سألها: لمَ ترفضين ضربي؟
بكت: كيف أضرب الإنسان الوحيد الذي لو دعا لي بعد موتي، ترفع درجاتي؟!
كانت العلاقة بين الابن والأم قوية بشكل مدهش، كانت تربيه للآخرة، فلطالما حدثته عنها، فكان يقول لها: لي صديق لا يصلي ومع هذا، فهو ناجح في حياته!
فكانت تقول: «من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها»
الدنيا للجميع، لكن الآخرة لمن يتقي الله فحسب.
يوم الجمعة كانت تُذَكّره بقراءة سورة الكهف، في حين لم يكن الأب يُصلّي لا جمعة ولا أي يوم في الأسبوع، فكانت الأم تنتظر ابنها صيفا وشتاء عند باب المسجد منذ كان عمره سبع سنوات. وفي العودة كانت تقول: عقب موتي، لا تنساني في الدعاء، وستبلغني الملائكة بدعواتك.
فسألها عن ماهية الملائكة؟
قالت: إنهم من خلق الله، أوجدهم من النور
فاعترف لها الابن أنه لا يصدق سوى ما يراه بعينه.
قالت: إذن، سترفض تصديق وجود أكسجين في الجو كونك لا تراه؟
يروي الشاب أن والده كان متعدد العلاقات، فتزوج بأخرى وامتنع عن زيارتهم، والإنفاق عليهم، كما طرد الأم حين طلبت مالاً. فبدأت تصنع الكعكات وتبيعها للمعارف وظلت تعمل دون شكوى بل بابتسامة رضا. في حين طَلَّق الأب زوجته الثانية، ثم تزوج بأخرى.
وفي يوم، طلب الابن من أمه أن تطلب الطلاق.
قالت: نصبر سنة أخرى لعله يهتدي
يروي الشاب أنه اجتهد في دراسته وواظب على صلاته فكانت الام تدعو لي وتوصيه: إياك أن تخسر أبناءك، الابن عملك المستمر.
ويذكر انه دخَّن مع الشباب في ثانوي، فلم تسامحه حتى وعدها بالإقلاع. كما يذكر انه لم يترك الصلاة يوما لأنها أخبرته أنها روح المؤمن والحبل الذي بينه وبين ربه.
وفي حين كانت توصي الأم ابنها ببر والده، كانت ايضا تحسن دخلها، وبالمقابل، كان الاب يتهجم عليهم طلبا للنقود بسبب تدهور حالته. وفي الثانوية العامة، ضاعفت الأم مجهودها من أجل الدروس.
وحين حصل الابن على تقدير سمح له بدراسة طب الاسنان، رأى الفرحة تقفز في ملامحها ثم سجدت وتَصَدَّقَت وصنعت كعكة كبيرة. وفي أول يوم جامعي اصطحبت الأم ابنها ثم تركَته لدى باب الجامعة مبتسمة وقد تعلق بصرها بلوحة الكلية «كلية طب الفم والأسنان».
بعدها بأيام توفيت، فبدأ الابن يصنع الكعكات، حيث كان قد تعلم طريقتها من والدته، فجمع بين عمله ودراسته.
وكان دائم التفكر في كلماتها: أنت عملي الممتد. استمر الابن في صنع الكعكات حتى تخرجه، وقد تحسنت أحواله فتزوج وفتح عيادة إلى جانب مشروع الحلويات.
ويختم الشاب قصته فيقول: أتصدّق عن أمي وأدعو لها دائما.
أزور أبي على فترات، طاعة وبرّاً، واحتراما لذكرى أمي وتربيتها لي.
أُحبُ زوجتى وأحترمها وأحسن معاملتها كما كنت أتمنى أن يقدر أبي أمي.
أعامل ابني كما عاملتنى أمي بحب واحترام، وأقول له إنه عملي الممتد. نعم، ابنك هو عملك الممتد، فلا تقهره ولا تخسره.

داليا الحديدي