كتاب وأراء

ناجيات من التحرش لا ضحايا مستضعفات

يعود ملف التحرش والاعتداء الجنسي إلى الظهور إلى العلن مجددا، وبشكل أكثر قوة هذه الفترة، مع نشر شهادات عديدة لناجيات تعرضن إلى الاعتداء والتحرش الجنسي في فترات سابقة، ليست بعيدة، من حياتهن، ولا سيما حياتهن المهنية، إذ قدمت الكثير من الفتيات من دول عربية عدة، شهادات على صفحة (ناجيات) على فيسبوك، سردن فيها وقائع تعرضهن في بدايات حياتهن المهنية إلى أنواع مختلفة من التحرش من قبل من يفترض أنهم مشرفون أو في مواقع ريادية في المهن التي دخلت مضمارها الناجيات.
وقد يبدو مفاجئا أن يكون الوسط الإعلامي والصحفي، في هذا الوقت، هو الوسط الذي تنتشر فيه ظاهرة التحرش أكثر من غيره، إذ أن غالبية الناجيات اللواتي سردن وقائع وسير التحرش بهن، يعملن في هذا الوسط، أو لنقل إن أوساط العمل الثقافي والفني والصحفي، وربما في العالم كله، وليس فقط في بلادنا، هي الأوساط التي يتم فيها ذكر سير التحرش علانية، ليس لأنها الأكثر فسادا من غيرها، بل لأن العاملات في هذه الأوساط عادة ما يكن أكثر جرأة على الإعلان والحكي، بسبب أن هذه المهن تمنح بعض الشهرة، والشهرة قد تكون حماية بشكل من الأشكال بقدر ما هي فضيحة أيضا للمتحرش، إذ أن أخبار مشاهير الفن والصحافة والإعلام تحيط بنا من كل جانب، خصوصا مع مواقع التواصل الاجتماعي حيث تزداد يوميا المواقع التي تهتم بمشاهير هذه العوالم، ولا يوجد من يحاسب على نشرها أخبارا مشكوكا فيها، أو ما يسمى: فضائح، بقصد جذب انتباه أكبر عدد من المتابعين، والبشر عموما، للأسف، ميالون للفضائح أو لكشف الأسرار!
غير أن سير التحرش وسير الناجيات منها، لا تقع أبدا في بند الأخبار المشكوك بها، هي قصص حقيقية، حتى لو حدث وأن تم سرد واقعة وتبين أنها مزيفة، فهذا لا ينفي حقيقة الوقائع الكثيرة الأخرى، إذ لا أظن أن هنالك سيدة أو فتاة عملت في هذه الأوساط، سابقا ولاحقا، إلا وحدث معها شيء من هذا القبيل: تحرش، اعتداء، ابتزاز، معاكسات جنسية مقصودة، جميعنا تعرضنا لهذا، وأقول جميعنا، وأنا أقصد نحن العاملات في الأوساط التي تمت للثقافة والفن بصلة ما، والمتحرشون هم الرجال والذكور العاملون في نفس الأوساط، أي الزملاء، وأحيانا الأصدقاء، وهذا مثير للدهشة فعلا، إذ يفترض أن الفنون تشتغل أولا على الوعي، وتحاول الارتقاء بالنفس البشرية المفطورة على الغرائز، كما أن العمل بالشأن العام يقتضي المحافظة على السمعة الشخصية إلى حد كبير، فما الذي يحدث لهؤلاء الذين يستبيحون الشابات والنساء العاملات معهم؟! ما هو المنطق والخلفية التي تجعل رجلا يعتدي جنسيا على شابة أو سيدة وكأنه مدرك تماما أنها لن تتجرأ على الحديث عما حصل معها وتعرضت له، بحيث يبدو واثقا أن فعلته، التي قد ترقى إلى مقام الجريمة، لن يعاقبه عليها أحد، وهو عمليا، أقصد من يفعل هذا، ليس مخطئا في حساباته، إذ نادرا ما تتجرأ فتاة في مجتمعاتنا، تم الاعتداء عليها على الاعتراف بذلك، إذ أن أول شيء سوف يقال عنها إنها هي السبب، وأنها حتما مهدت له الطريق لذلك، سوف يحاسبها المجتمع بوصفها مذنبة لا ضحية، سوف تنبذها عائلتها، طبعا إذ اكتفت العائلة بالنبذ، إذ أن عددا كبيرا من الفتيات قتلن على يد عائلاتهن تحت اسم جرائم شرئف لأنهن تم الاعتداء الجنسي عليهن، ولو خطر للضحية أن تتقدم ببلاغ رسمي إلى جهة مختصة فسوف تطوى القضية، كثيرات ايضا تعرضن للتحرش من رجال الجهات الرسمية اثناء تقدمهن ببلاغات عن معتدين، كثيرات تعرضن للسجن أيضا، لاشيء إذا يحمي الضحية التي يخطر لها أن تتحدث عما تعرضت له، وهذا السبب الرئيسي الذي يجعل المعتدي يتمادى في أفعاله، ويتجرأ على استباحة أية فتاة تعمل معه. عدا طبعا عن التربية الذكورية المقيتة التي يتلقاها ذكور المجتمعات العربية، بوصف الذكر قيّماً وقوّاماً على أية انثى حتى لو كانت والدته، هذا الاستعلاء يجعله يرى في الأنثى كائنا مستضعفا يمكن أن يفرغ فيه كل عقده الذكورية دون أي محاسبة.
حكاية صحفي الاستقصاء المصري الأخيرة، الذي اعتدى على الكثير من المتدربات معه، والذي أثبت التهمة على نفسه بطرق عديدة، حتى أن محاميه الشخصي أقر بذلك، ليست سوى مثال صارخ على الذكورية المفرطة والمنفلتة من كل الضوابط، وعلى الاستعلاء الذي يعيشه من يعتقدون أن بعض الشهرة يحميهم من كشف الحقيقة عنهم، غرور هؤلاء يجعلهم يغفلون أن ثمة متغيرات كثيرة طرأت على وعي النساء بحقوقهن، وأن وسائل التواصل الاجتماعي باتت بديلا عن القوانين البالية في مجتمعاتنا، فهي تحمي الضحية فعلا، وتحولها إلى ناجية يساندها الكثير حول العالم، وتضع المعتدي في مكانه اللائق: مجرم ونفسي، إن لم يحاسبه القانون فثمة جهات غير رسمية كثيرة كفيلة بذلك، على الأقل تدمر سمعته وتحرمه من عمله الذي يبيح له هذا التعدي والاستعلاء.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران