كتاب وأراء

عقم العباقرة

كتبت من قبل عن ظاهرة «المتفوق»، حيث ثبت واقعيًا أن من حققوا العلامات النهائية في الدراسة لم يحققوا نبوغاً موازيا في العمل رُغم توقعات الجميع التي لاقت عنادا من الأقدار.
فلمنظمومة الحياة مقاييس قلما تمكن «أوائل» الفصول من فك شفرتها، وبالمقابل نجد ان نكرات عالم الفصل، كانوا طلبة لهم ظروف بالغة الشدة إلا انهم حققوا نجاحات في العمل.
والأغرب أن العبقرية لا تعقب، فكثيراً ما يَرث الأبناء وظائفهم عن آبائهم، لكنهم قلما ما يرثون نبوغهم وتفوقهم.
فقد ينجب رجل أعمال تجاراً، وقد ينجب جراح طبيبا، لكن نادرا ما ينجب نابغة عبقريا، علما بأن الاستثناءات تثبت القاعدة ولا تنفيها.
أجدها ظاهرة جديرة بالتفكر،
وكيف لم يتأثر ابنائي النوابع ببيئة عبقر رغم إقامتهم بالوادي ذاته ؟
كيف خفت أشعة مواهب أبناء ولدوا من شمس العظماء؟ أتكون الطاقة الضوئية لآبائهم طامسة على صغارهم؟
أيخشى الأبناء من الوقوع في فخ المقارنة، فيزهدون في دخول حلبة السباق أو قد يكون صعب عليهم البدء من صفر أسلافهم؟
أيكون انشغال الآباء بنبوغهم سبباً في عدم رعاية مواهب ابنائهم؟ بحسب هتشمان: «اذا فشل أبناء العباقرة، فلا ننسى أن نرجسية آبائهم هي السبب» فمن اقترب بجاك روسو افاد بانه لم يكن أباً جيداً، فقد أرسل أطفاله لدار الأيتام! كما اعترفت الأديبة دوريس ليسينغ أنها هجرت أطفالها. الملاحظ ايضا ان كثيرا من ما ينشغل الأبناء بحفظ تراث الآباء فينفقون حياتهم جمعا في تراث ماضي تليد، عوضاً عن البحث في كنوز موهبتهم الشخصية الحاضرة؟ فربما حقق لهم ذلك إشباعاً، أغناهم عن تذوق نجاحاتهم الشخصية؟
ولا ننسى ان النابغين توفرت لهم الحرية، فولغوا للكثير من الطرق وعملوا في مجالات كثيرة أكسبتهم ثقة وخبرة. بالمقابل استمتع الأبناء بالمكانة الاجتماعية التي حققها لهم آباؤهم، بل حرصوا عليها أكثر من حرصهم على حقل الحرية المانح لثمار النجاح، فتجد ابناء النابغين يترددون في الالتحاق بأعمال صغيرة، ويفضلون الطريق السهل والذي لا يحقق سوى الحصول على شقة ودفع فواتير لكنه لا ينقش اسما على شوارع العاصمة. وربما يكون للنبوغ ضريبة يدفعها النابغة نفسه بحرمانه من الإنجاب أو حتى الزواج؟
فاستقراء حياة الخالدين يجعلنا نرصد ظاهرة عدم إنجاب عدد كبير منهم، فالقائمة تضم عباقرة لم يتزوجوا، كجبران، الشابي، بن تيمية، شوبنهاور، جين اوستن، بيتهوفن، نيوتن، موتسارت، ادم سميث، إيميلي ديكنسون، نيتشة، كانط، ستيوارت ميل، الأفغاني، العقاد، النووي، الشنقيطي، الزمخشري، بن حجر العسقلاني، الامام الطبري، عبد الرحمن بدوي، فدوى طوقان، سيد قطب، مايكل انجلو، ابسون، ستندال، سارتر،الخ...
فهؤلاء لم يحتاجوا لشريك يكملهم بل أدركوا أن الزواج مشغلة ستقضي على اشعاع عبقريتهم وسيسرق من أوقات إبداعهم، فلم يجدوا في عزوفهم عن الزواج تضحية. يبدو أن غريزة المجد ألهتهم عن أي أحد آخر، فأحد أسباب زواجنا هو شعورنا بعدم الإنجاز ما يجعلنا نحاول تعويض ما فقدناه لأبنائنا مستقبلاً.
أما من تزوج ولم ينجب فنذكر منهم المفكر جورج أورويل، برنارد شو، سعد زغلول، غوته، محمود درويش، والقائمة لا تنتهي، لكن تلقي الضوء على بشر خلدوا بأعمالهم، فقرر القدر أنهم ليسوا بحاجة لذرية تخلد أسماءهم.
شكسبير لم ينجب شكسبيراً مثله، وديكنز وموليير وراسين وكورناي وشوقي وجرير والفرزدق وبرتران راسل ومحفوظ لم يفرزوا بشراً بإمكاناتهم، فهناك غاندي واحد وموسوليني ومارتن لوثر واحد وإن انجبا من يحمل أسماءهم، إلا أنهم ما استطاعوا حمل قدراتهم على بلوغ الآفاق. وقد توجد استثناءات، فزياد الرحباني ورث نبوغ والده، واسكندر دوما أنجب اسكندر الابن، وعمر خيرت ورث نبوغ عمه، وجلال أمين خلف والده المفكر أحمد أمين، وتوماس هيكسلي عالم الاحياء جد جوليان هكسلي الكاتب الدوس هيكسلي.. لكن شتان بين عبقرية احسان عبد القدوس وابنه محمد عبد القدوس.
إن العامة غارقون في مشاكل الزواج والإنجاب التي تهدر أعمارهم بينما العباقرة أيقاظ في حفظ واستغلال كل لحظة بحثاً عن الخلد.

داليا الحديدي