كتاب وأراء

عن الفائض العربي من الأزمات السياسية

لو أن كلمة تتكرر كثيراً في المنطقة العربية فالأرجح أنها «الأزمة». أزمات في الداخل والخارج، تقريباً في كل مضمار ومجال. أزمات أمنية وقضائية. مذهبية واقتصادية. رياضية وإدارية. دينية وتربوية. أزمات هنا وهناك من كل صنف ولون وكل حجم وشكل. بات العالم العربي منتجاً للأزمات، يملك فائضاً كبيراً منها أصبح يغذي نفسه بنفسه. وتلك هي المشكلة. تكونت عبر سنوات طويلة دائرة جهنمية مغلقة من الأزمات وتشكلت معها بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية منتجة للأزمات.
وحتى يتيسر فهم ظاهرة الوقوع العربي المتكرر في الأزمات، قد يكون من الأنسب ترتيب الموضوع في النقاط المحدودة التالية:
1) الأزمات العربية وإن مثلت مشكلات طارئة إلا أن لها جذوراً عميقة. وبالتالي فإن تكرار الأزمات ليس علامة على سوء الحظ أو برهانا على التآمر على الوطن، وإنما دليل على خلل في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموجودة. هذا الخلل هو الذي يجعل كل أزمة ترافقها باستمرار أزمات فرعية أكثرها تكراراً «أزمة توصيف الأزمة» عندما ينقسم المجتمع ولا تتفق القوى السياسية على تعريف للموقف وهل يعتبر أزمةً أم لا.
2) غلبة التفسير التآمري والاستهداف الممنهج للوطن على تفسير الأزمة. فهناك باستمرار أياد أجنبية تعبث ووكلاء محليون يرتزقون من الخارج ومخططات كونية ترعاها أجهزة استخبارات عالمية. أما نقد الذات وتحميلها المسؤولية عن الأزمة فقلما يعلو صوته.
3) الحضور المتكرر للأمن كطرف في غالبية الأزمات. وحضور الأمن ليس مستغرباً باعتباره مؤسسة حماية وتأمين وقوة لتنفيذ الأحكام. أما في الأزمات العربية فحضور الأمن لم يكن دائماً بصفته حارساً يمنع تفاقم الأزمة وإنما كطرف شريك في حدوثها وتصاعدها.
4) زيادة الاستقطاب المجتمعي مع وعقب وقوع كل أزمة، وهو أمر مقلق لأن المفترض في الأزمات أن تكون سبباً للتعاون ورص الصفوف. أما في البلدان العربية فقد تحولت كثير من الأزمات إلى مادة خصبة للجدل والإنقسام.
5) في كثير من الأزمات العربية تتجدد محاولات إعادة تعريف علاقة الدولة بالمجتمع. فبينما تحاول القوى المجتمعية أن تتمدد وأن يكون لها وزن أكبر في تسيير الشأن العام، تعمل الدولة على إبعاد المجتمع بقدر الإمكان عن الحيز السياسي. فالدولة تتعامل مع الأزمات على أنها مؤامرات تبرر لها تكميش العمل السياسي وتقزيم الحيز العام. أما قوى المعارضة فتراها دليلاً على أخطاء الإدارة وسبباً لمواصلة الضغط عليها من أجل تغيير البنية السياسية.
6) القابلية للتأزم. فالأزمات تقع وتتكرر لأن بنية السياسة العربية تحكمها معادلة تسهل إنتاج الأزمات. وتتلخص هذه المعادلة في أن الدولة أقوى من أن تسقط وأضعف من أن تسيطر، وأن المجتمع أقوى من أن يخضع وأضعف من أن يُغيّر.
7) باتت «إدارة الأزمة» والتعايش معها تتقدم على «حل الأزمات» وإنهائها جذرياً. والأسوأ من الاكتفاء بإدارة الأزمة «الإدارة بالأزمة». فالأزمات كما تضر يمكن أيضاً أن تفيد حيث توظفها الحكومات والمعارضة كل لمصلحته. الحكومات تعبئ بها الرأي العام والمعارضة تنتقص من خلالها أداء الحكومة. هذا التعيش على الأزمات يكشف خللاً في صميم التركيبة السياسية العربية يعد مسؤولاً عن أكثر ما يقع من مشكلات. ويتمثل هذا الخلل في أن المجتمعات العربية وهي تنمو سكانياً ما زالت تبقي على الحيز السياسي المفتوح أمام الجماهير محدوداً.
إن مواجهة الأزمات العربية لن تنجح بالترضية والتوفيق ولا باللجوء إلى كل الحلول الإجرائية الممكنة. بات الأمر في حاجة إلى حلول جذرية. والإطار السياسي هو المشكلة. فهو أضيق بكثير مما تتطلع إليه القاعدة الشعبية. ولهذا سيظل مطلوباً العمل على توسيعه. ومطلوبا أيضاً التعامل مع الأزمات السياسية على أنها مشكلات سياسية وليست مواجهات أمنية والإقرار بأنها ناتجة عن الاختلال في توزيع القوة السياسية وطريقة استعمالها. ومطلوب كذلك من كل قوة سياسية إجراء مراجعات عميقة تنقد بها الذات وتقبل بالآخر وتحترم التعددية ولا تتزين بشعارات إما تحتكر الحقيقة الدينية أو تنفرد حصرياً بالبراءة الوطنية. فكل أشكال الاستثنائية للذات أو التمييز لجماعة أو مؤسسة يكرس الأزمة البنيوية للسياسة العربية ويقود إلى أزمات جديدة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات