كتاب وأراء

جدل الحداثة والمعرفة

ما هو البناء الفكري العملي لتحرير مصطلح المعرفة، وهل هذا السؤال مشروع بعد كل هذه الرحلة الزمنية للعالم الحديث؟
دعونا نحاول أن نعيد صياغة التعريف بصورة مبسطة، من خلال تتبع آثار هذا الجدل الفلسفي، وتطبيقاته العلمية التي خاضتها الحياة الإنسانية المعاصرة، ونأخذ هنا بالاعتبار أن منظومة المصطلحات ذاتها، وتفسير مفهومها يخضع لتكييف مباشر، من قبل الحضارات أو القوة العلمية أو الهيبة الفكرية، التي تتبنى التبشير، بهذا الأفق الفكري المتجدد.
تبدو المعرفة من خلال التتبع العام اليوم، في فلكين يعيشهما العالم، الأول أنها مجموع ما وصلت إليه الرحلة البشرية، في الرؤية الكونية للحياة، وربطها بأطوار الحضور الإنساني، وتأصيل فهمه لكُنْه الحياة، ومدلولات الخلق والعالم، ومن ثم التقدم لخدمة الذات الإنسانية، ومجتمعاتها المتعددة في ظل هذا الفهم.
أما الفلك الآخر فهو مراحل تحول العلوم المباشرة، التجريبية والتطبيقية، إلى صناعات تنفيذية وأكاديميات علمية، تستثمرها معاهد التعليم والنطاقات الجامعية، ومؤسسات الثقافة لصالح العالم الجديد، يجب أخذ الاعتبار هنا بأني أعتمد في إعادة صياغة هذا التعريف، إلى قاعدة أخلاقية كلية تقوم على مصلحة الإنسان.
لكن ماذا لو وصل العالم الحديث، لما يكفي من دلالة قوية، بأن النطاق الاكاديمي المركزي والصناعات العلمية الضخمة، تخللها انحراف ضخم، وقوتها وقدراتها ليست لصالح حياة الإنسان المطمئنة، ولا ضمان وصول الفكرة الصحيحة لأجياله.
ثم ماذا لو تبين للباحث بأن هناك دورا غائبا لتعريف جوهر المعرفة، بين الفلسفة الأخلاقية النقدية الجديدة، وبين جوهر النطاق المعرفي الأكاديمي، المهيمن على التعليم والثقافة في العالم الحديث.
ومن ثم يوضع الرسم البياني الذي يختطه البحث الجديد، ليس على أساس الاتفاق العقائدي، وإنما على قاعدة المشترك الحضاري القيمي.
وفي الوطن العربي، فإن أحد الإشكاليات الكبرى، في فهم الفلسفة الأخلاقية النقدية الحديثة، هو أنه يتوجه إلى مآل المجتمعات العربية، تحت ثلاث كوارث كبرى ضربت العقل والحرية ومنظومة الأخلاق الاجتماعية، وهي الاستبداد والجهل العلمي، والاتجاه التراثي والعاطفي الرغبوي، في التفسير الديني للأحداث، ولتاريخ المسلمين، وتاريخ الصراع الكبير، بين أمم الأرض.
وبالتالي فالتجاذب هنا بين تيارين، أحدهما لا يزال يخضع لدورات تعبئة تراثية، تؤوّل فشله في اختطاط نهضة قومية لهذا البلد أو ذاك، بالصراع الديني لعمق الأمم، وهو صراع له جذوره الموثقة، ومصالحه الشرسة، ولكن الأزمة التي مكّنت الآخرين، من هزيمة أمم الفكرة الإسلامية، كانت في الثقافة التي سادت، وكان من أخطرها، نقض فكرة العمران الكلّية للرحلة البشرية في التشريع، وعلاقتها بالعدالة بمفاهيم التغلب التي مارسها السلاطين أو الزعماء المستبدون، على شعوبهم ثم في حروبهم مع الأمم الأخرى.
وكان جوهر معركتهم، الصخب العاطفي باسم الانتصار لدين الأمة المحكومة بظلمهم، لا البلاغ الإسلامي وإقامة العدل، وتأسيس نطاق المعرفة الجديد، للتعاضد الإنساني الذي كرّمه الله، وتحت هذا السقف، تعزّزت أفكار الصراع في المذهبيات، والسياسات وانحسر جدل المعرفة والعمران.
أما الطرف الآخر فلديه حجة ظاهرية في شكل التخلف الذي ذكرناه، وهو مستغرق في تقليد رحلة الحداثة، كفكرة مخلصة لنهضة وطنه وتحرير الفرد، محتقنٌ نفسياً من أي فلسفة نقدية لجوهر الحداثة المادية، وهو خلال حماسته، لا يقف عند حقيقة مهمة، وهي بأن التجاذب التاريخي بين الأمم شرس للغاية.
وأن مركز الحداثة المادية في الغرب، أيضاً منذ عصر التنوير وما بعد القرون الوسطي، قد ترتب على صعوده جرائم كبرى مارسها في الإبادة البشرية، وليس هذا هو الموضع، وإنما القصد أن ذات الحداثة وعبر تجارب تاريخية مرصودة، اعتمدت في أصلها تفوقا عنصريا، لا إنسانياً عالمياً، مما يجعل الفارق الأخلاقي مركزيا هنا.
وهذا كله لا يمنع من الاستفادة مما وصلت إليه، الأداة النطاقية أو التنفيذية، للحداثة الغربية في العلوم، وفي الفكر والتنظيمات القانونية، لكن الأزمة هنا هو الإصرار على تطبيقات كامل الدليل (الكتالوج)، الذي أُسس وفقاً لمنظور يخص الأمة الغربية، بمعنى خارج المشتركات الإنسانية، والدلالة الأهم أن قاعدة الجوهر لهذه المعرفة في الرؤية الكونية، تفشل في الغرب ذاته.
بقلم: مهنا الحبيل

مهنا الحبيل