كتاب وأراء

عن الكتابة بوصفها شخصية الكاتب

هناك قول عن الكتابة منسوب لأكثر من كاتب ومثقف: (حين تفقد وطنك تصبح الكتابة هي الوطن البديل، أو هي المكان الذي تعيش فيه)، وممن نسب إليهم هذا القول هو المفكر والمستشرق الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد الذي كان معنيا في غالبية كتاباته بفكرة الوطن والمنفى واللغة، وبكل حال، وبغض النظر عن قائل الكلام فإن الكتابة لمن يمارسها ستتحول في لحظة إلى مكان العيش فعلا، حتى لو كان الكاتب في وطنه الأصلي، حتى لو يكن متغربا أو منفيا أو مهاجرا، ثمة في العلاقة مع لغة الكتابة ما يجعلها لصيقة بجلد الكاتب، لا يستطيع الفكاك منها مهما حدث ومهما حاول، تشبه الوطن والعائلة، يمكن لأي أحد أن ينسلخ عن وطنه وعائلته لكن أثرهما محفور فيه إلى لحظة رحيله عن العالم!
ذات يوم التقيت في إحدى مهرجانات الشعر الكبرى في أوروبا بالشاعر الأميركي تشارلز سيميك، وهوأحد أشهر شعراء العالم حاليا، أميركي من أصل صربي، جاء إلى أميركا مع عائلته حين كان في بداية مراهقته ( حاليا هو في أوائل الثمانين)، أي عاش حياته كلها في أميركا، يتكلم الإنكليزية طبعا ويكتب بها، وحين نقول يكتب بها أي أنه يفكر باللغة الإنكليزية، أي أن اللغة الإنكليزية التي حملت تاريخه كله هي هويته الفعلية، الشخصية والشعرية والأدبية، ومع ذلك حين التقينا وتحادثنا قال لي: (أعرف أنك من سوريا وتعيشين في بلد آخر، ثمة ما هو مشترك بيننا غير الشعر، هو المنفى والأوطان البديلة، نحن لاجئان !!) أدهشني يومها كلامه، فما ينطبق على حالته لا يشبهني بأي شكل، وهو ما قلته له في حوار جرى بيننا، فأنا خرجت من سوريا في سن متأخرة وأعيش في بلد عربي يتكلم لغتي نفسها، وأكتب باللغة ذاتها الذي نشأت عليها، ولا أحمل سوى الجنسية والأوراق الثبوتية السورية، بينما هو مواطن أميركي منذ طفولته، لا يتذكر من صربيا سوى القليل، تعلم الانكليزية باكرا وتحول إلى مواطن أميركي بعد وقت قليل، يتمتع بكل حقوق المواطنة، ويتمتع بأوراق ثبوتية ووثائق تضمن له حرية الحركة والتنقل والاحترام أينما ذهب أو اختار أن يعيش، على عكسي تماما، فإحدى عوائق حياتي أنني أحمل جنسية مصنفة ( خطرة)، وتعيق لي كل تفاصيل الحياة، عدا عن أن وعيي وإدراكي وهما منبع الكتابة عندي تشكلا في سوريا، بينما لديه تشكلا في أميركا: لم يوافقني يومها وقال لي ما معناه: «لا أحد يمكنه أن يتحول إلى مواطن لوطن ثان بالكامل، ثمة ما يبقى في داخله، من أثر وطنه الأصلي، لا شيء يختفي»، كان اللقاء ذاك مع سيميك بالنسبة لي كضوء ساعدني على فهم جديد لقراءتي لأي كاتب يكتب بلغة ليست لغته الأصلية سواء في الشعر أو في الرواية، أمين معلوف مثلا، وميلان كونديرا، والطاهر بن جلون الذي يقول: (هوية الكاتب هي اللغة التي يكتب بها)، وعدد من أجمل شعراء العالم الذين كتبوا بلغات أخرى غير لغتهم الأصلية بسبب الهجرة والمنفى !
ما فكرت به بعد لقائي الجميل بالشاعر سيميك، (وهو أساسا من شعرائي المفضلين في العالم) أننا نحن البشر، ومن اضطروا للعيش خارج أوطانهم على وجه الخصوص، نحاول أحيانا أن نخدش أنفسنا كي نزيل الجلد العالق فينا منذ الطفولة لكننا نفشل ولا نشعر سوى بألم شديد فنكف عن المحاولة متعايشين مع أثر ذلك الخدش، الكتابة هي فقط ما يخفي أثره، حين تتحول إلى هوية ووطن، أو ربما إلى جسر يربط بين المدخلين (مدخل الوطن الأصلي والوطن الجديد) لكنه الجسر الذي يخفي المدخلين، ويخفي معهما الإرهاق النفسي الذي يخلفه الخروج من مدخل معروف للدخول في آخر مجهول تماما، تتحول الكتابة أيضا إلى علاج، يشفي الندوب والخدوش، قبل أن تصبح هي شخصية الكاتب ولغته التي تكشف هويته، وهي لغة مختلفة عن اللغة التي يتخاطب بها في حياته اليومية، هي لغة أخرى مثقلة بشحنات عاطفية ومكابدات وذاكرة وإرهاصات وتأمل وانكشاف وخوف وقلق ودهشة وفقد ومشاعر متناقضة ومتصارعة ومتشابكة، هذه اللغة هي شجرة الكتابة وغابة الآداب، الغابة المحملة بدلالات خفية، تعطي إشارات لكنها لا تكشفها بالكامل، الكتابة هي الكشف، والقراءة هي كشف الكشف.
ربما هذا ما يجعلني أخاف كلما انقطعت عن الكتابة لمدة من الزمن: أن أفقد الوطن الذي أعيش فيه، أن أفقد مكان عيشي، أن أفقد شخصيتي وهويتي، أنا التي لا أنتمي عمليا إلى أي مكان سوى لغة كتابتي وسوى كتابتي نفسها، هذا أيضا ما يصنع التناقض، فللكتابة وطن وعائلة، والوطن يعني الأمان، ما أن أتوقف عن الكتابة لمدة ما حتى أصاب بالقلق وأفقد هذا الأمان، هل هذا يعني أن فكرة الوطن والأمان هي مجرد وهم نعيش فيه كي نتمكن من الاستمرار بقليل من التوازن؟!
بقلم: رشا عمران

رشا عمران