كتاب وأراء

بل هي بداية البداية

قد يرى كثيرون في حصيلة عشر سنوات من عمر التغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة مرحلةً قد انتهت أو قاربت على الانتهاء وألقت بنتائجها على قارعة الطريق. هذا الموقف أو الاستنتاج حول حصاد عقد من التغيرات التي أعقبت ثورات الربيع - وما تلاها من تفاعلات ضربت عمق المنطقة وجوارها - لا يرى في الحقيقة إلا جزءا من المسار ويغفل الحركة الرئيسية للتغيير.
التغيرات لا تزال في بدايتها إن لم نقل إنها في بداية بدايتها وإنّ السنوات العشر المنقضية ليست سوى اللحظة الأولى للانفجار الكبير. لقد راكمت الأمة قرونا من الاحتلال والاستبداد باعتبارهما شكلا واحدا من أشكال الحكم وإن بدا بمظهرين مختلفين. منذ خروج العثمانيين من المنطقة وتسلّم الاحتلال الأوروبي مقاليد السلطة وصولا إلى تقسيمات سايكس بيكو ووهم ما يسمى الدولة الوطنية خاصة في الجمهوريات العسكرية بقي النظام السياسي هو نفسه وإن تغير لونه ومظهره الخارجي.
ما حدث أواخر سنة 2010 في تونس ثم امتدّ إلى بقية الدول العربية هو أخطر انفجار حضاري عرفته الأمة منذ قرون لأنها المرّة الأولى التي تستطيع فيها الشعوب إسقاط البناء السياسي الحاكم بمصدر قاعدي. صحيح أنها لم تسقطه كلّه بل أسقطت واجهته المرئية وصحيح أيضا أنها زلزلت بنيان بعضه لكنّها لم تتمكن من إسقاطه وصحيح كذلك أن هذا النظام نجح في العودة أشرس مما كان عليه مثلما هو الحال في مصر.
كلّ هذا وغيره صحيح لكنْ لا أحد يستطيع أن يُنكر عمق الأثر والفعل والتأثير الذي أحدثته الثورات في بنية المجتمعات وفي وعي شعوبها بشكل لا يمكن تغييره. من المستحيل اليوم العودة إلى المشهد السابق للانفجار الكبير بل إنّ كل محاولات الثورات المضادة لضرب التجارب الجديدة ذاهبة إلى الفشل ولن تستطيع سوى تذكية ردّة الفعل القادمة على المجازر والانقلابات والمذابح التي ارتكبت في حق المنجَز الثوري.
لقد دشّنت الثورات طورا جديدا من أطوار البناء الحضاري بأن أحدثت في الوعي الشعبي وفي الممارسة السياسية قطيعة كبرى فصلت بين مرحلتين. وهو الأمر الذي يجعل من السنوات العشر المنقضية طورا صغيرا من أطوار مرحلة جديدة قد تمتد لسنوات طويلة ستصوغ مستقبل الأمة ومستقبل بنائها الاجتماعي والسياسي.
الرابحون هم أولئك الذين سيتعاملون مع الواقع الجديد بإيجابياته وسلبياته لا بإنكاره ومحاولة إجهاضه والقفز عليه لأن منطق التاريخ لا يعود إلى الوراء. التغيرات في المنطقة لن تتوقف وستؤكد جميعها أن النظام الرسمي العربي كما كان قبل الانفجار التونسي قد استنفذ كلّ شروط وجوده.
بقلم: محمد هنيد

محمد هنيد