كتاب وأراء

ذاكرة الأطفال

في مرحلة الطفولة المبكرة، يختزن الأطفال حكايات وحكايات بخطوطها وألوانها وتشعباتها، ويضيفون عليها من أخيلتهم ما يجعلها قصصا لها خصوصيتها التي تميز خيال الطفولة البكر.
كنت أرخي السمع إلى حفيدتي الصغيرة (عشر سنوات) وهي تسرد حكاية لجدتها، رفيقة العمر، عن رحلة للشاطئ، قامت بها أسرة ما: (راحوا هناك وافترشوا بساطا على رملة الشط الناعمة، وبعد ذلك نقلوا ما أتوا به من أشياء لزوم الشطحة، شوية مكسرات، وبسبوسة، وساندوتشات جبنة وفلافل، وبعدين بطيختين كبار، وبدال ما يقلعوا وينزلوا البحر، تسابق الصغار على الساندويتشات، والكبار على المكسرات، أنا يا تيتة شفت هذا المنظر واستغربت، واللي زاد من استغرابي أنهم بعد ما تناولوا الساندويتشات، وحلوا بالبسبوسة، وانتهى الكبار من المكسرات، جابوا البطيختين، وشقحوهم، واندفعوا على شقحات البطيخ، ياي يا تيتة، أنا ما قدرتش أشوف هالمنظر، هم الناس بيروحوا البحر علشان ياكلوا بطيخ، ولا ينبسطوا ويشموا الهوا؟).
كنت أرخي السمع لحفيدتي الصغيرة التي لم تذهب للشاطئ ولَم تَر ما سردته، وأبتسم، فالصغيرة اختزنت في ذاكرتها حكاية لعلها سمعتها في معرض فض المجالس، أو من حكايات النقد لسلوكيات بعض خلق الله في الرحلات الترويحية التي تستحيل إلى تسابق في التهام الشطائر والفطائر، ثم حبسها بما تيسر من فواكه وعصائر، دون الاستمتاع بالغرض من الرحلة، وهو الترويح عن النفس والانطلاق في أحضان الطبيعة. الأطفال يتمتعون بذكاء خلقي، ويختزنون في ذواكرهم صورا كعوالمهم البكر، قد تتفسر على الطبيعة في صور فنية تشكيلية، أو فنية سردية، وهذا يدعونا إلى مراعاة وملاحظة عالم الطفل السحري، فالطفل يا سادة يملك مخزونا فنيا وإبداعيا يتشكل في طفولته وفتوته الأولى، ويستحيل إبداعا حقيقيا، بالشكل الذي ترسمه موهبته في مرحلة النضج.
بقلم: حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل