كتاب وأراء

نحن جميعا مسؤولون .. لا طهرانية لأحد

منذ أن بدأ حزب البعث بالسيطرة على سوريا في بداية ستينيات القرن الماضي، حتى بدأت ملامح المجتمع السوري تتشكل كمجتمع يعيش ضمن دولة أمنية، كأول مرة في تاريخه، إذ لم يكن قد سبق للسوريين أن عاشوا كمجتمع متجانس في ظل دولة قوية، كانت بلاد الشام أيام الاحتلال العثماني عبارة عن ولايات ومتصرفيات، ولم تكن سوريا بشكلها المعروفة فيه قد ظهرت بعد، وبعد سقوط الامبراطورية العثمانية واقتسام تركة الرجل المريض، ومع اتفاق سايكس بيكو ظهرت سوريا بعاصمتها دمشق، ليأتي الانتداب الفرنسي، ثم سلسلة من الانقلابات العسكرية، ثم الوحدة مع مصر بكل ما خلفته من آثار وصمت شكل الدولة السورية لاحقا، ثم انقلابات أخرى، ثم حزب البعث الذي ما أن بدأ بالسيطرة، حتى أتى حافظ الأسد بما أسماه (حركة تصحيحية)، حول بعدها سوريا إلى دولة شمولية أمنية استبدادية، وحول الحكم السوري إلى حكم توتاليتاري، يحصد السوريون نتائجه الكارثية القاتلة منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم.
والحال أنه لم يتح للسوريين أن يعيشوا في مجتمع طبيعي يشكل عقده الخاص به، خصوصا مع التنوع في مكونات المجتمع، والذي يفترض أن يشكل حالة من الثراء ترفده بالأفضل لصالح المستقبل ولصالح هوية المجتمع وهوية أبنائه، بيد أن السوريين تعايشوا في ظل قبضة أمنية مهولة، وفي ظل نظام يحكم بذهنية المافيا/‏ العائلة، المرتبطة أصلا بنظان عالمي يكاد يكون مشابها، أو على الأقل هو يدعم أنظمة كهذه في بلاد العالم الثالث، حيث الثروات الطبيعية التي تضمن أنظمة كهذه بقاءها تحت السيطرة على حساب شعوبها وعيشها الكريم وبناء مستقبل أبنائها وضمان حقوق الجميع بما أقرته شرعة حقوق الإنسان الدولية، والتي، يا للمفارقة، وقعت عليها كل الدول التي تمنع عن شعوبها أقل حقوقهم، ألا وهو حق المواطنة الذي وحده ما يميز الدولة عن المزرعة.
وبات واضحا كيف تم تجريف المجتمع السوري خلال العقود الماضية من كل ما يؤهله ليكون مجتمعا متحضرا ومتجددا دائما، وهذا بكل حال دأب الأنظمة التوتاليتارية في العالم ولا يختص بسوريا فقط، فالمجتمع الذي كانت تظهر فيه فروقات بين المدينة والريف مثلا، لم يستفد من هذه الفروقات، وبدلا من نقل المنظومة المدينية في التفكير إلى الريف ليتمكن من المضي قدما في عالم متغير، حصل العكس تماما، تم ترييف المدن، بحيث تحول هذا العقل إلى قبلي عشائري عائلي مذهبي بما يتناسب تماما مع المنظومة المافياوية الحاكمة والمتحكمة بالمجتمع، هذا بدوره فرغ الحواضر السورية من هويتها المدنية وليس فقط المدينية، لصالح عسكرة المجتمع أو تطييفه أو مذهبته، وخال من أي ظواهر مغايرة على المستوى السياسي والثقافي والفكري، والتي عادة ما تنتجها التجمعات المدنية الأهلية التي منعها النظام السوري تماما، إلا لحالات قليلة ونادرة ولا يمكن التعويل عليها في تطور المجتمع.
وأكثر ما اتضح هذا كان بعد عام 2011، أي بعد انطلاق الثورة السورية بكل ما أفرزته وأنتجته، إذ تبين أنه لا وجود لهوية مواطنية جامعة للسوريين، وأن الاصطفافات أخذت منحى خطيرا جدا فهي بعيدة كل البعد عن المواطنة ومصلحة الوطن، ومثلما انكشف جوهر الإجرام في تركيبة النظام السوري، انكشف أيضا جوهر الفساد المتحكم بالمجتمع، والذي أنتج فوضى هائلة ساهمت مع النظام في تدمير سوريا تماما، وانكشف معه جوهر المعارضة السياسية التي لم تستطع تجاوز عقلية النظام الذي تعارضه قيد أنملة، وانكشف، للأسف، عجز السوريين عن العمل في هيئات جماعية مدنية، خصوصا بعد أن أصبحوا خارج قبضة الخوف، وتعيش الغالبية العظمى منهم في دول تتيح لهم حرية القول والفعل والحركة، ومع ذلك عجزوا تماما عن إنشاء أية هيئة جماعية تكمل عملها دون خلافات مهولة تعصف بهم بدءا من هيئات المعارضة السياسية، وليس انتهاء بنقابات واتحادات يفترض أنها لشرائح النخبة كالصحفيين والكتاب والمحامين وغيرهم ممن يفترض أنهم الحامل الأساسي للتغيير، ولعل ما حدث ويحدث في الإعلام السوري البديل دليل واضح على عمق المشكلة، إذ بات شبه معروف أن أية وسيلة إعلامية بديلة خاصة بالسوريين فهي عرضة للعواصف والفضائح والاستبداد بالرأي والفساد والمحسوبيات، وكأن تجربة إعلام النظام تنتقل كما هي إلى الإعلام البديل، ولم تعد تنفع ذريعة أن السوريين ليسوا معتادين على العمل الجماعي في تبرير ما يحدث، إذ أن ما يقارب عشر سنوات من المحاولة تكفي للتعود والانطلاق، لكن على ما يبدو أن الفساد والخراب أعمق بكثير جدا مما نتوقع أو نرى، وجميعنا مسؤولون عما يحدث لنا، فلا يمكن لأحد ادعاء الطهرانية على حساب أحد، بات واضحا أننا متشابهون، وهو ما سيجعل التغيير حلما لن يتحقق حتى مرور أجيال ناجية من هذا الخراب.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران