كتاب وأراء

البيزنطيون الجدد .. نصف الصورة !

جمال الهواري
كاتب وصحفي مصري
من البديهيات عند التعامل والتعاطي مع قضية أو شأن ما مهما اختلفت أطراف وملابسات وأسباب تلك القضية وذاك الشأن، هو بذل الجهد اللازم للإلمام بغالبية إن لم يكن كل الأطراف والخيوط المحيطة بها لتكتمل الصورة، وحتى نتمكن من إصدار الحكم الملائم أو اتباع الرأي الصائب، وأن نتبين مواضع أقدامنا حتى لا يجد المرء نفسه في نفس الخندق مع أولئك الذين يدعمون بشكل أو بآخر أجندة ومخططات أعدائه أو خصومه وهو لا يدري وتلك مصيبة أو يدري ويكابر وهنا الكارثة، هؤلاء الأعداء والخصوم قد يكونون من الداخل أو من الخارج أو مزيجا من هذا وذاك، لكنهم يعملون في تناغم غير ظاهر شبيه بفرقة تعزف مقطوعة شيطانية لها نوتة واحدة لكن مختلفة الأصوات.
نعاني في المنطقة العربية والإسلامية من ظهور طوائف ونخب وجماعات وتكتلات وأفراد مختلفة التوجهات والانتماءات والمشارب والمسميات لكن يجمع بينها قربها من ما يطلق عليه مجازًا التيارات العلمانية المنبطحة للغرب والمتناغمة مع الأنظمة الديكتاتورية والعسكرية ولها استراتيجية وأسلوب يكاد يكون متطابق الخطوات متباين الوسائل، يتمحور حول انتهاج سياسة التركيز على نصف الصورة وبعض الحقائق المجتزأة من سياقها الممزوجة بالجدل البيزنطي وخلط التشويه بالتشتيت للتغلب على مواطن التدني في الطرح المراد ترويجه والضعف في الحجة المستند إليها والتعارض مع المنطق الذي يتبعونه والمجافاة مع العقل الذي يتذرعون على الدوام بركونهم إليه كركيزة للنقاش.
تزداد حدة وارتفاع أصوات تلك التكتلات كلما ظهرت بوادر تصرف أو قرار يتناغم مع الهوية العربية والإسلامية المتجذرة في شعوب المنطقة وتمثل الرابط الحقيقي الذي يجمعها وطوق النجاة المتبقي لها وتتصاعد هجماتها وتتعدد أطروحاتها المفتقدة لأي أبجديات سياسية أو أكاديمية أوحتى منطقية فالمهم هو تحقيق الهدف المنشود للترويج للمشاريع التي تتبناها الدول والهيئات والتكتلات التي تدعم ظهورها وتضمن بقائها في ما يشبه صفقة تحمل في طياتها سوء النية وخبث المقصد وهو أقل ما توصف به تلك المشاريع والتوجهات التي تتعمد إغفال القضايا المحورية والأمور المفصلية والتركيز على أمور وكماليات فرعية ستحل بالضرورة ومن تلقاء نفسها لو تمت إعادة ترتيب الأولويات، فلا أدري بأي منطق يمكن المناداة بالحريات الفردية لو لم يتزامن مع حرية الوطن نفسه، وليت الأمر يقف عند الحريات الفردية التي لا تتنافى وتتعارض مع الدين والتقاليد، بل يتم وعن عمد تصدير ما هو مرفوض بصفة قطعية من الغالبية الساحقة.
إحدى أهم الطرق والوسائل التي تتبعها لتضليل المتابع وقلب الحقائق والتشكيك في ما هو ثابت ويقيني وتغليب ما هو ظني ومشكوك فيه، الدأب وباستمرار على إسقاط قواعد وقوانين العصر الحالي على أحداث وقعت منذ مئات السنين والمحاولات المستمرة على تصيد الأخطاء الفردية عبر التاريخ الإسلامي بشكل خاص وإلصاقها بالمنهج نفسه لإخراج الخطأ من الصفة الفردية والاستدلال به على فساد المنهج نفسه ككل وعلى غير الحقيقة بالمعطيات العقلية والأكاديمية قبل الدينية والعقائدية.
في النهاية يبدو أن منطقتنا العربية والإسلامية قد شهدت مؤخرًا ظهور طائفة جديدة يمكن أن نطلق عليها «البيزنطيون الجدد» قد دشنت تواجدها بوضوح بالتزامن مع القرار التاريخي الذي اتخذته المحكمة الإدارية في تركيا يوم الجمعة 12 يوليو 2020 بإلغاء المرسوم القاضي آيا صوفيا من مسجد إلى متحف وتصديق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على القرار في نفس اليوم معلنًا فتح المسجد للصلاة اعتبارًا من يوم الجمعة 24 يوليو، وجاء قرار المحكمة العليا بالتزامن مع الذكرى الرابعة للمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا 15 يوليو 2016، المغزى من ذكر تلك الحادثة بشكل خاص هو إظهار كم التناقض الذي قام به غالبية العلمانيين العرب والبيزنطيون الجدد فبينما يملأون الدنيا صراخًا بالحقوق والحريات وسيادة القانون، هاجموا وبكل ضراوة القرار التركي والذي أتى ضمن أعمال سيادة الدولة داخل أراضيها، لكن يبدو أننا أمام أقوام يأتون بالأمر ونقيضه معا ويحولون مبادئهم وقناعاتهم حسبما تقتضي الظروف والحاجة، يهاجمون التدخل في شؤون الآخرين حين يتعلق الأمر بهم ويمارسون الأمر نفسه حين يتعلق بالمختلفين معهم، وتلك قصة أخرى سنتناولها بشكل مفصل في وقت لاحق.

جمال الهواري