كتاب وأراء

أوراق من زمن قديم «3-3»

مواصلة لذكريات قديمة، أشير إلى أنني مع العديد من الزملاء في كلية الآداب بجامعة القاهرة فرع الخرطوم سابقا (جامعة النيلين حاليا) انبهرنا لوقت طويل بمحاضرات علم الاجتماع. واجتذبتنا من تلك النظريات نظرية عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركايم وهي نظرية «التخصص وتقسيم العمل». كنا نتابع تفاصيل أفكار علماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة والفلسفة ضمن «كتب ومذكرات الجامعة» بحب للموضوعات.. وليس من أجل «الامتحانات». تعرفنا على أسماء علماء مثل آدم سميث وبوتو مور ورادكليف براون وايفانز برتشارد ومالينوفسكي.
وكان أحد أهم أساتذة علم الاجتماع في كلية الآداب آنذاك (بداية الثمانينات) هو البروفيسور صموئيل باسيليوس. وكان الطلاب الذين سبقونا في الدراسة بالكلية، يقولون لنا إن البروفيسور صموئيل كان يحدثهم عن معرفته الشخصية بالعديد من علماء الاجتماع الكبار في الساحة العالمية، مثل العالم الإيطالي مالينوفسكي (صاحب نظرية الوظيفية ومنهج تحليل الدور). اهتممنا بالقراءة لمالينوفسكي والعديد من العلماء ممن لديهم أطروحات علمية في علم الاجتماع وميادينه من بينهم ماكس فيبر وكلود ليفي شتراوس، صاحب مقولة «اللامنظور يحرك المنظور على مستوى الإدراك». من جانب آخر، كان البروفيسور صموئيل باسيليوس، حريصا على عدم السماح لأي طالب بالتخرج الا اذا استوعب مناهج علم الاجتماع والانثروبولوجيا بتخصصاتها المختلفة. لذلك كان الطلاب يتحدثون عنه بأنه «صعب» في تصحيح أوراق الإجابات في فترات الامتحانات. وبسبب ذلك تأخر البعض منا – خلال الدراسة الجامعية- لستة أشهر في السنة الاخيرة (السنة الرابعة)، بسبب «السقوط في ثلاث مواد من المنهج العلمي لقسم الاجتماع»، ليدخل من يتأخر دراسيا إلى امتحان بعد 6 أشهر من تخرج أقرانه. ويعرف ذلك الامتحان بـ «دور أكتوبر». وأقول في سياق تداعيات ذكريات الزمن الدراسي القديم الذي لا ينسى، إنني مع العديد من الزملاء وجدنا أنفسنا في مرحلة مابعد الجامعة، خلال عامي 1985 و1986. وواجهنا سريعا مرحلة البحث عن عمل.
في يناير 1986 وقبل التخرج، بحكم انتظاري لامتحانات الملاحق (دور أكتوبر) وجدت نفسي أداوم يوميا في مكتب إحدى الصحف التي صدرت عقب «الانتفاضة الشعبية لعام 1985» في السودان، وهي صحيفة (البديل) التي حققت نجاحا سريعا في ذلك الوقت.
لم أكن أحبذ العمل في الأخبار أو الحوارات السياسية، فاخترت القسم الثقافي بتلك الصحيفة للعمل فيه كصحفي متدرب. ولا زلت أذكر أن أول حوار أجريته لصحيفة البديل كان حوارا مع التشكيلي الراحل أحمد محمد شبرين، وكان يتولى آنذاك منصب الأمين العام للمجلس القومي للآداب والفنون في السودان.
بقلم: جمال عدوي

جمال عدوي