كتاب وأراء

هل سينتهي التحرش يوما؟

أعلنت شاعرة شابة قبل أيام على صفحتها الفيسبوكية، أن ناشرا كبيرا كان قد تحرش بها منذ أكثر من عام تقريبا حين كانت في زيارة له إلى مكتبه الكائن في وسط البلد في القاهرة، جاء إعلان الشاعرة إثر حملة مصرية على مواقع التواصل الاجتماعي بعد جدل كبير حول موضوع التحرش ونتائجه وأسبابه، وهو موضوع يثار دائما مع كل إعلان عن حالة تحرش غير عادية، خصوصا بين الإسلاميين، الذين يرون أن التحرش طبيعي حين تكون الفتاة سافرة ولا ترتدي ثيابا محتشمة، ملقين باللائمة، كالعادة، على النساء، وبين الليبراليين الذين يرون في التحرش مرضا اجتماعيا ذكوريا ولا علاقة للباس السيدات به، إذ أنه يتم التحرش حتى بالمحجبات والمنقبات، وهو أمر حصل كثيرا في البلاد العربية، وأعلنت الكثير من النساء المحجبات عن حالات تحرش مرعبة قد تعرضن لها في الشارع أو في أماكن العمل، ومعتبرين أيضا أن التحرش لا يرتبط لا بعمر ولا بمهنة ولا بمركز اجتماعي ولا بأي شيء، هو يرتبط فقط بإحساس ذكوري بالتفوق الذي يتيح للذكر استباحة (الأضعف)، وغالبا ما تكون النساء هن الطرف الأضعف في المعادلة الاجتماعية، وهو أمر ليس مقتصرا على بلادنا، إذ أن حالات التحرش منتشرة في كل مكان، وكلنا نتذكر حملة (me too) التي بدأتها ناشطات نسويات أوروبيات تعرضن للتحرش، وانتشرت حول العالم وشاركت فيها ممثلات وسياسيات وكاتبات.
وعلى أثر إعلان الشاعرة الشابة عن تحرش الناشر المشهور بها، انقسم المثقفون المصريون والعرب حول الأمر، فالناشر معروف جدا في الأوساط الثقافية العربية، ومكتبه علامة بارزة قديمة من علامات الثقافة المصرية والعربية، ولم يسبق أن جاء مثقف عربي إلى القاهرة إلا وزار المكتب الشهير، عدا عن أن دار النشر الخاصة به ساهمت إلى حد كبير في تبني كتاب وشعراء شباب لم تلتفت إليهم دور النشر الكبيرة، ورفضت الصحف الثقافية المشهورة نتاجهم، فوجدوا في دار النشر تلك حضنا مرحبا بهم وبنتاجهم في كل الأوقات، وعدا عن كل ذلك أيضا، فالناشر صاحب موقف سياسي معروف، وهو أحد أعمدة اليسار المصري المعارض، وكان له دور كبير في ثورة يناير عام 2011، وصديق لكبار مثقفي اليسار المصري وكتابه، وعلى رأسهم الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، ولديه زوجة مثقفة وصديقة مع كل أصدقائه وصديقاته، وابنتاه كذلك، أي أن سلوكه الشخصي متسق تماما مع أفكاره، وهو ما يبدو أنه نادر في الوسط الثقافي العربي، حيث الفصام في العلاقات الإنسانية هو السائد. أي باختصار فإن المتهم بالتحرش هو شخصية غير عادية على كل المستويات، وهو ما شكل صدمة كبيرة في الوسط الثقافي العربي وجعل الانقسام حادا بين مؤيد للشاعرة الشابة وبين متهم لها بالوصولية والاستغلال ومكذب لروايتها، التي أنكرها الناشر وزوجته وبناته، وهو أيضا ما جعل كثرا يصمتون متجنبين عدم إعلان موقف من هذه القضية الإشكالية خصوصا بعد قبض السلطات على الناشر إثر بلاغ تقدمت به الشاعرة ضده!
على أن موضوع التحرش على ما يبدو لا يمكن البت فيه أو اتخاذ موقف حاسم منه، رغم أن تاريخ التحرش في بلادنا يجعل أي شخص يقف مباشرة مع الفتاة التي تعلن ذلك، وهو الموقف الأخلاقي الأول الذي يجب أن يحدث إلى أن تتم تبرئة المتهم، أو تقديم أدلة، وفي حالات كهذه نادرا ما توجد أدلة أو شهود على واقعة التحرش، وهو ما سيجعل من الأمر دائما قابلا للتصديق أو التكذيب، إذ، ورغم أنه يمكن القول إنه ما من امرأة أو فتاة لم تتعرض يوما للتحرش، وغالبا كل ادعاءات التحرش حقيقية وصادقة، إلا أنه لا يمكن أيضا اعتبار كل تلك الادعاءات حقيقة بالمطلق، إذ ثمة اضطرابات سلوكية وشخصية لدى البعض قد تحيل تصرفا عاديا إلى التحرش، وثمة غايات شخصية لا يمكن لأحد إنكارها تجعل البعض من الفتيات يتهمن رجلا ما بالتحرش، وثمة تواطؤ يحدث أحيانا بالصمت عن التحرش زمنا طويلا، ربما بسبب الخوف من فقدان وظيفة أو دعم أو احتياج أو الخوف من عدم التصديق، تجعل الفتيات يصمتن زمنا طويلا عن واقعة تحرش ما، هذا لا ينفي التحرش ولا ينفي التواطؤ معه بكل حال!
والحال أن إشكالية التحرش سوف تبقى قائمة في العالم، وأكثر في البلاد ذات القوانين غير المنصفة للمرأة، ولا يمكن حلها نهائيا سوى بإجراءات حاسمة وبقوانين وعقوبات تطبق على المتحرش ضمن معايير محددة وثابتة لا يمكن التلاعب فيها، بحيث لا يضيع حق الضحية ولا يتم اتهام أحد اتهاما عشوائيا لأسباب مختلفة، أما في واقعنا الحالي، وحيث القوانين هي دائما في صالح السلطة الذكورية، سواء سياسيا أو اجتماعيا، فإن إعلان أية فتاة عن واقعة تحرش تعرضت لها يوما سيجعلنا مساندين لها مباشرة حتى لو لم يكن هناك أي دليل على الواقعة سوى كلامها نفسه.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران