كتاب وأراء

مــســـافــر زاده الــخــيــــال *

تمنيت مرة على هذه الصحيفة (أو أي صحيفة) أن تخصص يومياً مساحة للحديث عن المبدعين الراحلين، لتذكير الأجيال الجديدة بهم، وتسليط الضوء على إبداعهم
وفي الغناء يُظلم المبدعان الحقيقيان للأغنية (أو على الأقل الأكثر إبداعاً) وهما المؤلف أو الشاعر الذي أبدع الكلمات، والملحن الذي كسا الكلمات باللحن الجميل، ويحصد الإعجاب والشهرة العنصر الثالث في مثلث الأغنية وهو الصوت. ولنأخذ مصر مثالاً، إذ يعرف الجميع أسماء المغنين والمغنيات، ولكن أحداً منهم لا يذكر الكتاب الذين أبدعوا الأغنيات شعراً بالعامية والفصحى، وقليل من يتذكرون أسماء الملحنين، وهؤلاء هم صناع الأغنيات التي صار بها هذا الفنان وتلك الفنانة نجوماً.
نردد منذ نحو سبعين سنة «سمعت في شطك الجميلِ/‏ ما قالت الريح للنخيلِ/‏ وأغصن تلك أم صبايا/‏ شربن من خمرة الأصيل» إنها من قصيدة النهر الخالد، ونعرف أنها من ألحان محمد عبد الوهاب، لأنه لم يغن من ألحان غيره، ولكن! هل تساءلنا يوماً عن مبدع هذه الصور الشعرية الجميلة في هذه القصيدة الرومانسية الرقيقة، ومبدع عشرات غيرها؟ هل تساءلنا عن مبدع قصيدة «بغداد يا قلعة الأسود» وظلت مقدمتها الموسيقية شارة للأخبار في إذاعة بغداد حتى الاحتلال الأميركي؟ أو عن مبدع قصيدة «ليالي الشرق» التي لحنها وغناها محمد عبد الوهاب؟ أو قصيدة «دعاء الشرق»:
نحن شعب عربي واحد ضمه في حومةِ البعث طريق
الهدى والحق من أعلامه وإباء الروح والعهدُ الوثيق
أذن الفجر على أيامنا وسرى فوق روابيها الشروق
(البعث: النهضة)
إنها جزء بسيط من إبداع الشاعر محمود حسن إسماعيل الذي مرت في أول هذا الشهر ذكرى ميلاده العاشرة بعد المائة، فقد ولد في 2 /‏7 /‏1910 وتوفي في 25 /‏4 /‏1977.
كان ذا نزعة رومانسیة ورمزیة فی أدبه وشعره، ولجأ إلی الطبیعة فی حیاته الشخصیة والأدبیة ونشأ في أحضان الثقافة الإسلامیة من خلال رحلاته المتعددة إلی بلدان العالم الإسلامي، وقد اکتسب ثقافة واسعة، واطلع علی تراث أمته وثقافة عصره. وأما الملامح الواضحة في دواوینه کلها فهي تلك الروح المصریة الخالصة والتي تعددت صورها وإن کانت تنبثق من بوتقة واحدة.
ظل شاعر الطبيعة يغرف من جمالها، وأثرت فيه طفولته في الصعيد إلى آخر عمره، وتجلى في عشرات القصائد «ولم تترك طفولتي في الصعيد بصمات علی حياتي كشاعر فحسب، بل كانت هي السر الذي اندلعت منه حياتي الشعرية».
* حصل خطأ في ترتيب المقالات، وكان يجب أن ينشر هذا المقال الأسبوع الماضي، بينما ينشر المقال عن ثورة يوليو وقائدها في 20 /‏7 /‏2020.
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين