كتاب وأراء

دبلوماسية ورق العنب

آندي (55 سنة) عامل يدوي، يقوم بأداء الأعمال البسيطة في كل لوازم البيت بإتقان، مما يغنيك عن اللجوء إلى كثير من الشركات المتخصصة، إذا أحوجك الأمر.
كان يحوس في حديقتي البيت، ولفتت انتباهه داليتان كثيفتا الأوراق.
- هاتان داليتان، ماذا تفعلان في أوراقهما، الأسبوع الماضي قابلت عوائل عربية في الوادي، كانت النساء يقطفن أوراق الدوالي.
- هُن يا آندي يقطفنها لطهوها، وذلك بحشوها بالأرز واللحمة وشيء من الخضرة.
- ويقمن بالسفر لأكثر من ساعة وراء هذا ؟
- وربما يتكبدن مشاق السفر مسافة أطول، فمحشي ورق العنب يا آندي من صميم التراث والثقافة العربيين. وهن حريصات على إحياء هذا التراث، حتى في صقيع بلادكم.
لا أدري ما إذا كان السيد آندي، الأعزب، والمضرب عن الزواج، حتى لا ينجب أبناء يكتوون بلهيب التغيرات البيئية، مستقبلا، قد اقتنع بتبريري لهفة حريمنا على قطف أوراق العنب لطهو هذا الطبق الذي تشتهر به المرأة العربية في شتى بقاع وطننا السعيد، والذي كان في فترة من فترات المد الوطني في قضيتنا المركزية، يشكل ما أطلقنا عليه -آنذاك-ديبلوماسية ورق العنب، وهي ديبلوماسية كانت سيدات فلسطينيات في المهجر يمارسنها في المناسبات الفلسطينية، فيقمن بارتداء الثوب الفلسطيني، بعد أن يتولين طهو ورق العنب، ويقدمنه للضيوف الذين يفدون لإحياء مناسبة أو ذكرى يوم من أيام العرب في فلسطين.
تلك كانت في ظاهرها، تشكل إحياء لعادات عربية في فلسطين، فنحن تعودنا أن نولم في كل مناسبة، وهل هناك أروع وأجمل وأنقى من المناسبات الوطنية، لشعب شرد قهرا من بلاده، وحل محله أخلاط من بلدان مختلفة بلا عادات، أو تقاليد جبل عليها سكان البلاد الأصليون ؟
ربما كان هذا الإحساس هو ما وقر في العقول الباطنة لحريمنا اللاتي يتجشمن عناء السفر لأماكن بعيدة، سعيا لقطاف ورق العنب، وفِي بلادي أكثر من عادة، وأكثر من تراث تؤكد أنهم أبناء أرض شردوا عنها ظلما وقهرا.
بقلم: حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل