كتاب وأراء

الماضي يتحكم في المستقبل

كما كان الحادي عشر من سبتمبر 2001، تاريخا فاصلا، يؤرخ للاحداث بما قبله وما بعده، فتقديري، أن الثالث والعشرين من يونيو 2016، سيكون كذلك، على الأقل بالنسبة للقارة الأوروبية.
عندي ثلاث ملاحظات على هذا الحدث التاريخي..
أولها أن البريطانيين اختاروا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، من خلال استفتاء تاريخي مشهود. اختيار البريطانيين، وأيا كان الموقف منه، يؤكد أن الوحدة– أي وحدة- هي بالأساس وحدة الأحرار، لا وحدة الأحباب، فعندما اختار الأوروبيون الوحدة بين دولهم، رغم تاريخ طويل من الصراع والدماء، لم يكن ذلك قرارا فوقيا من زعيم ملهم، أو زعماء تهتدي النجوم بحكمتهم، وإنما كان اختيارا، بإرادة حرة، لتحقيق مصلحة الشعوب، ومن ثم كان الخروج البريطاني، بنفس هذه الإرادة.
ثانية الملاحظات، تتعلق بحالة الفزع والصدمة التي انتابت أوروبا، عقب الاستفتاء، خوفا على اتحادها من التفكك، أو حسب تعبير دونالد تاسك، رئيس المجلس الأوروبي، من تلاشي الحضارة الأوروبية، بينما المخافة الأكبر الآن على وحدة المملكة المتحدة التي تتكون من إنجلترا وأيرلندا الشمالية وأسكتلندا وويلز نفسها، فبعد ساعات من إعلان نتائج الاستفتاء، تعالت الأحاديث عن استفتاءات مماثلة، ولكن هذه المرة في دول المملكة المتحدة.
فاسكتلندا التي صوتت في سبتمبر من العام 2014، لصالح البقاء في بريطانيا، تدعو الآن إلى استفتاء جديد، بعد أن أوصت مواطنيها لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي مع 62%.
الاقتراح نفسه مثار الآن في أيرلندا الشمالية التي صوتت أيضا للبقاء في التكتل الأوروبي مع 55.7%.
الأخطر، أن آلافا من سكان لندن، وقعوا على عريضة تطالب عمدة العاصمة صديق خان، بإعلانها دولة مستقلة عن المملكة المتحدة، وضمها للاتحاد الأوروبي.
هذه التداعيات، جعلت سياسيين من أمثال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، جون ميجور، وخليفته توني بلير، يحذرون من أن يُؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم انفصال أسكتلندا، إلى تقسيم المملكة المتحدة، وعودة التوتر والنزعة الانفصالية لأيرلندا الشمالية، حيث الكاثوليك القوميون يسعون لضم الإقليم لجمهورية أيرلندا، في حين يرغب خصومهم من البروتستانت في البقاء ضمن المملكة المتحدة.
الملاحظة الأخيرة، أننا وجدنا أخيرا هما سياسيا مشتركا بين الشباب العربي، والشباب البريطاني، هو أن «الماضي» يرسم طريق «المستقبل».
فقد عبر الشباب البريطانيون عن غضبهم من مواطنيهم الأكبر سنا المشككين بالاتحاد الأوروبي بعد أن بين استطلاع أن 60 بالمائة ممن هم فوق سن 65 عاما صوتوا مع الخروج في حين صوت معظم الشباب مع البقاء. وهو ما يحدث في العالم العربي، وإن بصورة مختلفة قليلا، فالشباب يقاطع التصويت بينما يقبل كبار السن على انتخابات «مهندسة أمنيا»، ليأتوا بنواب أو ممثلين، يعبرون عن السلطة التنفيذية، لا عن الإرادة الشعبية. هي مشكلة يبدو أنها ستظل بلا حل، في ظل قواعد التصويت المعمول بها في الاستفتاءات والانتخابات. اختصرتها شابة بريطانية غاضة، في هذه العبارة شديدة الإيجاز والدلالة.. «أشعر بالغضب. من صوتوا مع المغادرة لن يناضلوا من أجل المستقبل».

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى