كتاب وأراء

رجاء الجداوي.. والمقارنات القاتلة

حين تم الإعلان قبل أكثر من أربعين يوما، عن إصابة الفنانة المصرية الراحلة «رجاء الجداوي» بفيروس كورونا، وانتشرت أخبار عن تواصل ابنتها الوحيدة مع وزارة الصحة المصرية، ونصيحة الوزارة لها أن تدخل أحد مستشفيات العزل الحكومية لا العلاج في مستشفى خاص (وهو ما كان يمكن للفنانة تحمل كلفته الباهظة)، بسبب أن المشافي الحكومية مجهزة لحالات الطوارئ التي قد تنجم عن الإصابة، ومجهزة بطاقم طبي مدرب على معالجة المصابين بالفيروس، كما أن البروتوكول العلاجي الذي تعتمده الوزارة سيكون مؤمنا بشكل دائم في مشافي العزل الحكومية، يومها انتشر الخبر على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية والعربية، وتطور الانتشار من مجرد خبر من أخبار إصابة أحد المشاهير بفيروس كورونا إلى نوع من أنواع التنمر على الفنانة الشهيرة، واستنكار لدخولها مستشفى حكوميا وهي القادرة على دفع تكاليف العلاج في مستشفى خاص، واستنكار من اهتمام وزارة الصحة بها، في نفس الوقت الذي مات فيه طبيب شاب إثر إصابته بفيروس كورونا، نتيجة الإهمال في المستشفى الذي كان يعمل به، وتم عقد المقارنات بين الفنانة والطبيب، بما فيها المقارنة بين سن الفنانة وسن الطبيب، حيث اعتبر المستنكرون أن الطبيب أحق بالعلاج والاهتمام من الفنانة، بسبب السن أولا وبسبب المهنة ثانيا وبسبب القدرة المادية أخيرا.
أثارت هذه المقارنات في تلك الفترة، مجددا، موضوع التضحية بكبار السن في العلاج من الفيروس، حيث انتشرت مع الموجة الأولى الخطيرة من الفيروس أخبار من دول أوروبا ذات النظام الصحي الذي يفترض أنه متطور، عن أنه تتم التضحية بكبار السن لصالح الشباب والأصغر سنا في حال الاحتياج إلى أجهزة التنفس الاصطناعي، كان الأمر مرعبا حقا، أن تتم التضحية بالجيل الذي أكمل النهضة الأوروبية، وأنجزت نضالاته ترسيخ حقوق الإنسان في القوانين والدساتير الأوروبية، والأشد رعبا كان هو عدد ضحايا الفيروس في دور الرعاية والمسنين في أوروبا، المتروكين لمصيرهم دون أي اهتمام أو رعاية، حتى رحل عدد كبير منهم على أسرتهم بسبب الفيروس دون أية محاولة للإنقاذ من أحد. مع تلك الأخبار لا أظن أن أحدا منا، نحن الذين تجاوزنا منتصف العمر، ولدينا أفراد من عائلاتنا دخلوا في سن الشيخوخة، إلا وأصيب بالرعب من مصير كهذا سواء له أو لأحد أفراد عائلته؟! كان هذا سببا مضافا ومهما للخوف من الإصابة بالفيروس حد الهلع!
وفي الوقت نفسه أثارت تلك المقارنات موضوع العمل في المجال الفني، ومقارنته مع غيره من المهن، مرجحة الكفة لصالح المهن الأخرى، ومعتبرة أن الفن عمل (هابط) ولا يستحق العاملون به اهتماما خاصا، وهو ما يعكس وجهة نظر رجعية ومتخلفة إن صح التعبير، وتعكس ما تعانيه مجتمعاتنا العربية من فصام واضح، ففي الوقت الذي تقدر فيه شعوبنا (نجوم) الفن والدراما والسينما والتشكيل، فهي تتعامل مع الفن كما لو أنه سقط متاع، رغم أن الفنون هي أكثر ما تبقى من الحضارات القديمة، وهي أكثر ما يعبر عن روح الشعوب ومدى قدرتها على التطور ومواكبة التجدد.
أما في مسألة أحقية العلاج التي طرحها مغردون مصريون وعرب، فالعلاج من الفيروس أو من أي مرض أو وباء هو من حق الجميع في أي مجتمع وفي أية دولة، خصوصا في حالات الوباء، حيث لا فرق لا في المستوى الاجتماعي ولا المهني ولا الجندري ولا الأجيال، الوباء لا يميز بينهم، وكذا العلاج يجب أن لا يميز بين أحد، وواجب الدول وألأنظمة الصحية تأمين العلاج للجميع على قدر إمكاناتها،أما الاهتمام بالشخصيات المعروفة فهو أمر عادي ويحدث في كل العالم وليس وقفا على بلادنا. وأما التقصير في العلاجلأي أحد فهو مسؤولية النظام الطبي لا مسؤولية المريض أيا كان.
رحلت رجاء الجداوي للأسف قبل يومين، لم يستطع سنها مقاومة الفيروس، ولم تتمكن كل الرعاية والاهتمام من إنقاذ حياتها، حين قرأت خبر رحيلها فكرت في حالتها النفسية خلال أكثر من أربعين يوما من العزل، لم تنقطع فيهم عن متابعة ما يحصل وما يكتب عنها سوى في المرحلة الأخيرة حين وضعت تحت التنفس الصناعي، إذ كل عدة أيام كانت الصحافة الصفراء تنشر خبرا عن رحيلها، ويتم تداول الخبر الكاذب على وسائل التواصل، ويتم معه تدول أراء مهينة عن الفن والفنانين، وعن المتقدمين في السن منهم ممن مازالوا يعملون حتى اللحظة! هل لكم أن تتخيلوا حالة مريضة مسنة كرجاء الجداوي (81 عاما) ظلت حتى أصيب بالفيروس وهي تعمل بنشاط وطاقة لافتة مدى تأثير كلام وأخبار كهذه على حالتها النفسية وهي تقاوم فيروسا مهلكا كما حدث معها، رحم الله الفنانة رجاء الجداوي التي عانت من لعنة الفيروس ولعنة الصحافة الصفراء معا.
بقلم: رشا عمران

رشا عمران