كتاب وأراء

تفعيل الدور الإنتاجي الوطني

كان المجتمع المدني الخليجي قبل الريع النفطي، مجتمعاً نشطاً منتجاً متكافلاً مشاركاً في الشأن العام، كانت علاقة الدولة بمجتمعها علاقة اعتماد متبادل، الدولة بحاجة إلى مجتمعها اقتصادياً كما كان المجتمع بحاجة إلى دولته في تأمين دوره الإنتاجي، ثم تعطل هذا الدور الإنتاجي، وتم تفكيك الاعتمادية التاريخية المتبادلة، بفعل عاملين طارئين:
الأول: المال الريعي الذي غمر الدولة والمجتمع، وغيَّر وجه ومعالم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، فأصبح المواطنون معتمدين على الدولة التي تعاظم دورها حتى ابتلع المجتمع، وحال دون تطور المجتمع المدني، وتحول المجتمع المنتج إلى مجتمع الطاعم الكاسي، وفقاً لشاعر الهجاء الأكبر الحطيئة..
دع المكارم لا ترحل لبغيتها..
واقعد فأنت الطاعم الكاسي
وكان من نتائج ذلك إضعاف دور المواطنين وانشغالهم بتعظيم المصالح الخاصة والآنيّة، على حساب المصلحة العامة وواجبات المواطنة.
الثاني: التدفق الكثيف للعمالة الوافدة، وحضورها الطاغي في مختلف المناشط التنموية (وبخاصة القطاع الخاص) واستسهال اعتماد المواطنين عليها بصورة شل دورهم الإنتاجي، كما قلل من اعتمادهم على أنفسهم من ناحية، وأضعف حاجة الدولة إليهم من ناحية أخرى.
المعضلة الخليجية
المعضلة الحقيقية للخليج، أنه بالرغم من الاستنزاف الهائل للعمالة الكثيفة للموارد الخليجية، في ظل كورونا، وما شكله من عبء مدمر على المرافق والخدمات، وما نتج من هذا التكدس البشري في الأحياء والمناطق السكنية العشوائية من تفشي الوباء وارتفاع معدلات التلوث وتغيير الطبيعة الديمغرافية الخليجية؛ لا توجد حتى الآن قناعة حقيقية لا لدى الحكومات ولا لدى المجتمع الخليجي، بضرورة العمل على تخفيف الاعتماد على العمالة الأجنبية تدريجياً وترحيل (الهامشية والمتسولة والمخالفة منها، على الأقل) وفق خطة زمنية معينة، وذلك لسبب بسيط هو أن ذلك يتعارض مع المصالح الخاصة والآنية للأغلبية العظمى للمواطنين، فما من مواطن إلا وهو معتمد على هذا الوافد ومستفيد منه بطريقة أو بأخرى.
ما العمل ؟
يحار المطلع على تناقضات السياسات الخليجية ! لماذا هذا الاعتماد المطلق على العمالة الكثيفة العدد، الفقيرة خبرة ومهارة وتعليماً وسلوكاً وتحضراً ؟!
الحكومات الخليجية عندها خيارات أخرى وأجدى:
منها: أنها تملك الإمكانات المالية الضخمة لاستجلاب العمالة ذات النوعية العالية والاستفادة من خبراتها في تنمية وتطوير دولها.
ومنها: التوسع في المشاريع الإنتاجية القائمة على النظم التقنية التي لا تحتاج إلى العمالة الكثيفة.
ومنها، وهو أهمها، تجنيس أبناء الخليجيات، ومواليد الخليج ممن نشأوا وتعلموا في مدارسه وتشربوا ثقافته وكلهم ولاء وانتماء إليه، يحنون ويشتاقون له ولا يعرفون وطناً سواه، وفق ضوابط قانونية عادلة.
ليتنا ندرك، كما الأمم الراشدة، أن هؤلاء هم الرافد الأنسب (ثقافياً) والأكثر تجانساً (اجتماعياً) والأسلم (أمنياً) في إعادة التوازن المفقود إلى الخلل السكاني، وتحصين الجبهة الداخلية، وتفعيل الدور الإنتاجي الوطني.
المحصلة:
يعلمنا التاريخ أنه لا يمكن لهذا الوضع السكاني غير الطبيعي، وغير المتجانس اجتماعياً أن يستمر بدون أكلاف باهظة،، كما لا يمكن للخليجيين أن يظلوا عالة على جهود الآخرين، وعلى فتات الريع، آن لهم أن ينشطوا ويفعلوا طاقاتهم المعطلة، ويعتمدوا على أنفسهم في تنمية أوطانهم.
إن أعظم الدروس المستفادة من كورونا وتداعياته الكارثية على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والصحية، أنه لا مستقبل للكيان الخليجي إلا بتكاتف وتعاضد مواطنيه، كما لا يمكن تحصينه وتعزيز هويته واستمراره للأجيال القادمة إلا بتفعيل دور المواطنين الإنتاجي ليقوموا بدورفاعل في الحياة العامة، وليصنعوا مستقبلهم، كما الدول ذات الوضع السكاني الطبيعي والتي تعتمد على مواطنيها في البناء والتنمية والإنتاج.
ليت حكوماتنا تعي أن كوننا أقليات في أوطاننا أدعى إلى تعزيز الرابطة الوطنية المشتركة، وتحصين الوحدة الوطنية، فكلنا مواطنون لنا نفس الحقوق والالتزامات، فأي منطق في تجزئة ما هو أصلاً مجزأ، إلى أصلي ومجنس وبدون ؟! وأي مصلحة خليجية في التفرقة التي تضعف الرابطة الوطنية ؟! علينا تجاوز المواريث العصبية والنظرة الآنية الضيقة إلى ما يدعم ويعزز مستقبل الكيان الخليجي.
بقلم: د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري