كتاب وأراء

في «الإجراءات الاحترازية»

العبد لله رجل مائي، فأنا من مواليد برج الحوت، وهو برج مائي، ومنذ جئت إلى هذه الدنيا، كنت محظوظا بالعيش في بلدان تحتضنها مياه البحار، ولدت في غزة عروسة المتوسط، وعملت في الدوحة زهرة الخليج العربي، وتملكت شقة في ليماسول القبرصية، تقع بين تلال المدينة وشاطئها الذي يبعد مسافة خمسين مترا عن الشقة، وحين رحلت خارج الوطن العربي، حططت الرحال في هاليفاكس العاصمة الإقليمية لمقاطعة نوفاسكوشيا الكندية، إحدى المقاطعات البحرية الأربعة المطلة على الأطلسي، والمشهورة بتنوع أسماكها، ووفرة اللوبستر«جراد البحر».
وتعودت أن ألقي همومي وراء ظهري حين تصطخب هذه الهموم، فلا أَجِد راحة وتنفيسا عن الهم والغربة، إلا بالتوجه إلى شاطئ الحوض المائي الذي يفصل ما بين المدينتين التوأمين:هاليفاكس ودارتموث، إلى أن فاجأني، كما فاجأ بقية خلق الله فيروس الكورونا المستجد «كوفيد - 19»، وكانت أولى النصائح وإجراءات السلامة منه، إلتزام الحجر المنزلي، والتباعد الإجتماعي، وكان بها، وبسبب طول أمد هذا الإجراء الإحترازي (مِن العاشر من مارس حتى كتابة هذه السطور) بت أعيش في صحبة الرعب، والجزع، والخشية، من ذلك البعبع الذي لم يتمكن العلماء من قهره، ولَم تصل معامل البحث إلى مصل أو لقاح يقي عباد الله شر مقاديره!
حالة الخوف أو سمها حالة الترقب من المجهول، هي الحالة التي ابتلي بها الناجون من «كوفيد - 19»، وأكاد أجزم بأن هذه الحالة، أو هذا الجزع هي، أو هو من مخلفات هذه الجائحة التي ضربت البلاد والعباد، والتي أتعبتني -شخصيا- بحيث حرمتني متعة خلقت معها، وهي تفريج همي في زرقة مياه البحار.
ما زلت أغني:
أنا أنسى؟
كيف أنسى من كست أيامي إشراقا وأنسا.
بقلم: حسن شكري فلفل

حسن شكري فلفل