كتاب وأراء

ابتسامة صينية

يرجع أحد أسباب هوس العالم بالتصوير لوجود متعة حقيقية لرؤية الإنسان لنفسه في صورة جميلة، لذلك مهما كان الإنسان حزينا، إلا أنه يحرص على الابتسام لتجميل هيئته في حال أخذ وضعية التصوير
لكن قل من البشر من يمعن النظر في ذاته.
أيدور بخلد الآباء أن صغارهم يتفحصون سريرتهم كما يعاينون صورهم؟
إننا نعيش مع محققين صامتين يحدقون فينا بهدوء، فيلاحظون متى نغضب ويقارنون بين مستويات ردود افعالك ودرجات انفعالك وسخطك.. ثم يفكرون ويحللون: لما صمت في هذا الموقف ولما ابتسمت في نفس الموقف مع شخص ذو حيثية ولما لا تغض أمهم الطرف عن خطأ الخادمة ؟
إن الأبناء ينظرون إلى آبائهم بميكروسكوب يحدقون فيهم، ثم يتساءلون:
لم يعصف الأب بفلان ولا يرحب بعلان؟ وكيف اغتابه بعدما فتح له القلب على مصراعيه؟ ثم كيف أوصد الباب في وجه المتسول؟
ثم يحللون حيثيات ازدواجية المعايير: لم يتم الاتصال بالأثرياء من الأرحام بينما تتم مراسلة باقي فقراء العائلة برسائل مجانية.
مع أي من الضيوف نظر الوالد في ساعته لحثه على الرحيل، ولمن ذبحت الذبائح؟
لماذا تثور امي إن لم تصاحب أختي زوجها في سفراته؟ ثم كيف تجرؤ بعد ذلك على مقاطعة اخي لو اصطحب زوجته معه باي رحلة؟
كيف يثور والدي لاستبداد الديكتاتوريين ويتألم للمجريات بالسجون ثم لا يرى بأسا في تأديب صغاره لو أراد احدهم اختيار اطارا لنظارته أو لون قميص لا يتماشى مع ذوق الوالد؟
وكيف يحلم بالعدل في المجتمع ولا يوفره لبيته؟ اما فكر أن ما يمارس عليه من مديره من تسلط هو محض قصاص وأن التحديات الصادقة لو تحققت في ساحة النفس لعمرت البيوت؟
وكيف يجرؤ بمطالبة الحكومة بالشفافية فيما يخفي حقيقة راتبه عنا؟
لماذا أخبرت والدتي، عريس أختي بواجباته الشرعية عن مصاريف الزواج بينما اسرتني بالانتفاع من العرف التي سيحمل أهل خطيبتي على الاضطلاع بالأعباء المادية؟
لم رد والدي الريال العيدية الذي منحه لي عمي الفقير بينما لم يرد الخمسين ألفًا الذي أهداها لنا خالي الثري؟
هل يدرك الأهل ان الصغار يسمعون للغة الأجساد ولا يأبهون بالمرة للابجديات المنطوقة؟
انهم يحدقون في النوايا الشواهد لا المشاهد ويجيدون التفريق بين الآباء البررة وبين الأباء العاقين المكتفين بطبيعتهم الوعظية بلغة خشبية تقتصر على «ويلكم وويحكم».
وامام بعض هذه السلالات التربوية المخزية نندهش ممن يفرطون في «أسطرة» الوالدين (تحويلهم لأسطورة) من حيث القابهم لا أدوارهم.
فرغم إدراك الأبناء للطبيعة البشرية للأهل وعدم توقعهم لأبوين برتبة ملائكة، وعلى رغم قدرتهم على تناسي اخطاء جمة للأهل، إلا أن ندرة من الأبناء تسامح في عقوق الآباء لها.. فهم يدركون قيمة الأبوين الصالحين، على أن مقدار بر الابن لوالديه لن يتحقق بقدرة الأبوين أو أحدهما على المزايدة على مكانته المحفوظة في بيوت تندلع فيها حروب أهلية منزلية لأن الوالدين رادفا بين تعنيف الأبناء وتربيتهم.
وتبقى حاويات القمامة شاهدا على رضع ملقون في العراء، ما ينهض دليلاً على أن ليس كل الأهل أهلاً لأن يكونوا قدوة.. فالأبوة لم تكن يوماً غريزة يجتمع فيها البر والفاجر، بل ان ساحات القضاء أفشت بعورات قضايا انكار أنساب أجنة ضد آباء عقوا أجنتهم، فانكروهم.
ثم يأتي من يقول أن أحداً لن يحب أن يراك أفضل منه سوى والديك!
كيف يستويان أب يعطيك اسمه، ماله وحياته، وآخر يغلك حقك في الحرية والكرامة.
كلي أمل ان يدرك الآباء أنهما مهما ضحكوا على الأبناء.. فإن الصورة التي بها ابتسامة صينية لن تصبح حلوة.
كاتبة مصرية

داليا الحديدي