كتاب وأراء

«حب.. شغف.. أم شهوة؟»




ودي لو علّمنا أبناءنا التفريق بين الحب، الشغف، الشهوة والزواج، لعلهم يدركون أن ليس كل ما يموج داخلهم من أحاسيس أو يعتريهم من هبات عاطفية هو محض حب خالص.
فكثيراً ما تكون شهوة تبعث على الشغف فتبحث عن علاقة لتتحول لاحتياج، يصبح بمرور الوقت اعتيادا وبتراكم تبعات العلاقة يصبح ضرورة تكبل المرء بأسر لا مناص منه، بيد أننا مصممون على نعته بالحب لإضفاء قداسة على رغباتنا ولشرعنة احتياجاتنا.
نحن كأفراد مراهقين أو بالغين، نعيش وسط مجتمعات تؤجج المشاعر والشهوات بصوتيات ومرئيات ومقروءات تساهم في الدفع بالرغبة، بحيث يدغدغ أحلام أي شابين فكرة أن يعيشا دور «انجي وعلي» في «رد قلبي» أو «جاك وروز» في «تايتانيك».
وعند أول نظرة أو لدى أول خلوة عابرة، يعلقان بسهولة، فيخال للاثنين أنهما بصدد قصة حب العمر، فيضخمان من مشاعر توهماها حباً ودافعا عنها وطناً وكلما صادفوا رفضاً عائلياً تأجج لهيب حب الدفاع عن الوهم!
ثم ما تلبس أن تذهب السكرة لتأتي الفكرة، فتسفر لهما الأيام أن المسألة كانت محض شهوة.
وحري بنا توقع هكذا سلوك من الأبناء لأننا لم نمنحهم البديل.
نمنعهم من استخدام الانترنت ولا نقدم لهم بديلاً آمناً.
نرفض حيازتهم لجوال يوفر لهم دردشات مجانية، لكننا لا نجالسهم أو نستمع لهم بإسهاب أو نشاركهم مراحهم حتى يلمسوا فرحنا إن فزنا عليهم فيتأكدون أننا نسعد بمجالستهم ولا نؤدي واجبا ثقيلا، إن أديناه.
نحول بينهم وبين أصدقاء السوء بيد أننا لا نوفر لهم صحبة آمنة.
نتعسف باستخدام سلطاتنا، فنزهو بحزمنا في وضع قائمة ممنوعات لما نراه مضراً لكن نتكاسل عن تهيئة المفيد وشغل أوقاتهم بالهام والمسلي ثم أننا لا نجود لهم إلا بفتات أوقاتنا!
والمؤسف أنه غالباً ما يتعامل الأهل مع السعادة والمرح على أنها من «اكسسوارات» الحياة، على أنها واقعياً من ضروراتها التي لا يجب دسها في خانة المؤجلات، فالسعادة فرض واجب على كل معيل مثلها مثل واجب توفير الطعام والشراب لأننا لو لم نوفرها، يتسرب الأبناء من معيتنا لمعية من يشاركونهم ذات الاهتمامات المرحة.
والأدهى هو إشهارنا لرفض خياراتهم، سواء صديقا، طريقا أو عشيقا اختاروه كحب العمر، لعدم ملاءمته اجتماعياً وكان الأدعى ترسيخ قيمتهم كأفراد من حيث هم.. وثقتنا في قدراتهم على تحقيق الأهداف والنجاحات والتفوق.. بحيث يتأكد كل شخص أنه آمن ومتحقق بنفسه من دون شريك على علاته.. لكن البعض يتعاطى بتهميش مفرط مع صغاره كأنه لن يرجى منهم طائل فيقوض ثقتهم في أنفسهم. فلا يتوقعون أن يكونوا مثار إعجاب لأحد.
ولدى أول التفاتة، يعلقون كأنهم وجدوا ضالتهم، وتتحول قصة الحب والفرح ومآدب العرس وزينة العروس لرأس الأهداف فتشعر الفتاة أخيراً أنها صارت البطلة بعدما عاملها أهلها دوماً أنها صديقة البطلة.. فتحارب من أجل هذا الدور.
وليت شعري وليت نثري، لو سمعت لناصح وقد تنصت لكن القلب في صمم بل تقسم تفضيلها لحياة العوز السعيدة مع الحبيب عوضاً عن التعاسة المرفهة مع أي آخر!
ولو قيل له كيف تتزوج منها مع علمك بدنيتها؟ ولتأخذ العفيفة الشريفة وطناً، فيصمم على العيش لاجئاً في مواخير لا تمنحه حق لم الشمل، حيث توجد معشوقته، عن الاقتران بزوجة صالحة رتيبة لا تسعده.
جل ما يحتاجه أبناؤنا هو فيض من أوقاتنا وزرع الثقة بنفوسهم مع منح البدائل.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي