كتاب وأراء

حروب الجدل و«معارك الطواحين» ـــ «2»

المبدأ القديم «فرق تسد» كان ولا يزال وسيظل ناجعًا ومؤثرًا ما لم يدرك المتناحرون الفارق بين الخلاف الذي سيخسر بسببه الجميع عدا الأنظمة الديكتاتورية، وثقافة الاختلاف والتي لن تدع لتلك الأنظمة من سُبل لضرب نسيج المجتمع وتقسيمه إلى كانتونات منفصلة ثقافيًا، مختلفة سياسيًا، متمايزة فكريًا، متفاوتة طبقيًا، مفتتة مجتمعيًا، متناحرة أيديولوجيًا، وفي المحصلة تصبح تلك الأنظمة بكل استبدادها وطغيانها وجرائمها هي الرابط الوحيد المشترك بين فئاته.
اختلاف الآراء والمذاهب بمختلف أشكالها وإشكالاتها الدينية والدنيوية هو سنة من السنن الكونية وجوهره الأساسي الذي ينفي عنه صفة التطرف والمغالاة والعنصرية والتعصب والإقصاء هو الاعتراف بحق الآخرين في تبني وجهة نظر أو رأي مختلف حول قضية ما دون الانتقاص منهم أو وضع اختلافهم هذا في خانة الجهل ومحدودية المعرفة أو الدفع بهم لمربع الخيانة، والانتباه الشديد لخصوصية مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأن هناك معتقدات وثوابت دينية ثم عادات وتقاليد متوارثة مجمع عليها من الغالبية الساحقة، ويمثل الاقتراب منها مجازفة خطرة ومرفوضة بصورة قطعية ويلقي بشبهة التواطؤ والتآمر على كل من يحاول النيل منها تحت دعاوى الحريات والتحضر وحقوق الإنسان.
بكافة حسابات العقل والمنطق والعمل السياسي والحقوقي لا تستقيم المطالبة على سبيل المثال بما يعتقده ويروج له هؤلاء على أنه حقوق لأقلية ما في دول واقعة تحت حكم ديكتاتوري بصبغة عسكرية في حين لا تتمتع الغالبية العظمى من الشعب بأي حقوق أو حريات من الأساس، وتستغل تلك الأنظمة هذه الخلافات أسوأ استغلال لرسم صورة نمطية لكل ما ومن يتمسك بالدين ثم العادات والتقاليد في صورة الرجعي-الراديكالي-المتطرف ويتغاضى عن من يهاجمون ثوابت الدين لدرجة معينة حتى تنتفي الحاجة إليهم ويتم استهلاكهم، حينها يبطش النظام بهم ثم يقصيهم ليخلي الساحة لغيرهم من وجوه جديدة تتبنى وتروج لقصة مستحدثة يتم في كثير من الأحيان صناعتها وتضخيمها خصيصًا لتستمر حروب الجدل بين الجميع عدا النظام وحاشيته المقربة من مؤسسات ضامنة لبقائه ومستفيدة من استمراره ونخب منتقاه بعناية -ع الفرازة- ومن يدورون في فلكه على اختلاف دوافعهم للالتفاف حوله أو أسباب صمتهم ورضاهم وتبعيتهم له.
أخطر ما في الأمر حين يتصاعد الخلاف وتتسع دائرة الجدل حول أمر وطرح ما أو قضية بعينها قد تختلف مفرداتها وأدواتها وشخوصها هو التعامل بمنطق الأبيض والأسود فمن لا يتفق معي هو عدوي ومن ليس معي بالكلية فهو ضدي بالتبعية وباتت المطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات لأقليات تتبنى أطروحات ووجهات نظر دخيلة على مجتمعاتنا ومحاولات بائسة لصنع أبطال مزيفين في معارك يائسة وقودها الجدل وأساليبها قريبة الشبه بمعارك «دون كيشوت» مع طواحين الهواء هي البوابة الرئيسية لمصادرة وسحق القليل للغاية المتاح منها بيد النظام القمعي هنا والعسكري هناك، فنلاحظ تضخيمًا وترويجًا لتوجه ما في فترة معينة وتفتح المنصات لأصحابه وترتخي القبضة القمعية حولهم وتتغافل السلطات عمدًا عنهم حتى يتم الاستفادة من هذا الجدل البيزنطي الذي لا طائل من ورائه أو فائدة ترجى منه، ويأتي هذا على حساب قضايا رئيسية خارجية وداخلية تهدد الأمن القومي ومخاطر ملحة تستهدف بنية الدولة وأصولها ومطالب أساسية لفئات الشعب المتوسطة والفقيرة منها بشكل خاص واحتياجات جوهرية على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
يعلم غالبية المثيرين للجدل هنا والخلاف هناك أن الاقتراب من تلك القضايا الرئيسية والملحة والضرورية والمطالبة بها أو النقاش حولها والتلويح بمسؤولية النظام عن تأمينها وتنفيذها يخرجهم من منطقة الجدل الآمن المرضي عنه من الدولة غالبًا إلى ساحات الاستهداف والتنكيل وما يتبعه من اختطاف واعتقال وإخفاء أو تصفية خارج إطار القانون في معادلة أجادت الأنظمة التلاعب بأطرافها واستغلالهم لتحقيق أهدافها وكلما سنحت فرصة للتخلص من تلك الأنظمة والسعي لإقامة دول ديمقراطية تعمل على رفاهية شعوبها وتمتعها بالعدالة والحريات والحياة الكريمة التي تستحقها كما حدث في الموجة الأولى من الربيع العربي في أواخر 2010 وبدايات 2011 استعادت الأنظمة الديكتاتورية وبنفس الطريقة زمام الأمور من جديد وستظل هكذا إلى أن تتلاشى وتختفي أطراف ووسائل حروب الجدل ومعارك الطواحين ولن يصبح بمقدرها أن تمارس من جديد لعبة «فرّق تَعُدْ».
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري