كتاب وأراء

حروب الجدل و«معارك الطواحين».. فرّق تَعُدْ! - «1»

من أهم وسائل فرض السيطرة التي تنتهجها الأنظمة القمعية في العموم والعسكرية منها بشكل خاص هي الوصاية شبه التامة على كل ما يتعلق بحياة المواطنين بشقيها الخاص والعام، وبالطبع يأتي في المقدمة الدين والسياسة وتتبعهما البقية في الاقتصاد وما يخص جميع مكونات المجتمع بكافة تصنيفاته ومختلف طبقاته، ويتحقق هذا في المقام الأول عبر بث وترسيخ ثقافة الخلاف الإقصائي وتعميق الهوة والعمل على إدامة وتصعيد الصراع حسب الحاجة بين طرفي أي نزاع أو نقاش فكري أو عقائدي أو أيًا كانت ماهيته والتنقل بخفة وخبث عبر أذرع النظام دينية وسياسية وإعلامية الصريح منها والمستتر بتحويل دفة الدعم وإطلاق اليد أو التغاضي عن عمد بين هذا الطرف وذاك.
بتلك الاستراتيجية يندفع الفرقاء دون وعي أو إدراك من قِبَل قطاعات واسعة منهم في كثير من الأحيان في اتجاه أن ينصبوا النظام نفسه الذي يقمعهم ويستهدفهم جميعًا على اختلافهم حكمًا يفصل بينهم ويحاول كل طرف استمالته إلى جانبه ولو بطريقة غير مباشرة ولا يمانع النظام في التظاهر بهذا حسب ما تقتضيه الظروف بما يمكنه من فرض المزيد من السيطرة والتحكم، وبخروج النظام من خانة الخصم والمتسبب بتأخر الدولة وتقهقرها والمستحق للتغيير والإقصاء وتحوله لحالة الاستدعاء والاستعداء بحيث ينتظر كل فريق بطشه بالفريق أو الفرق الأخرى، ظنًا منه أن سيف الظلم والقهر والقمع والإقصاء المتعدد الوسائل لن يصيبه، على عكس ما أثبتته الأحداث على مر التاريخ أنه يكاد يكون من المستحيل ترسيخ أو استمرار نظام الحاكم الأوحد الذي يسيطر على كل شيء دون أن يمنح الشعب أي حق من حقوقه حتى أبسطها ويطالبه بل ويجبره بالإكراه والترهيب على أداء كافة ما يطلب منه، دون أن تكون طوائف ومكونات الشعب مختلفة متنافرة متناحرة، فالمبدأ القديم «فرق تسد» كان ولا يزال وسيظل ناجعًا ومؤثرًا ما لم يدرك المتناحرون الفارق بين الخلاف الذي سيخسر بسببه الجميع عدا الأنظمة الديكتاتورية وثقافة الاختلاف والتي لن تدع لتلك الأنظمة من سُبل لضرب نسيج المجتمع وتقسيمه إلى كانتونات منفصلة ثقافيًا، مختلفة سياسيًا، متمايزة فكريًا، متفاوتة طبقيًا، مفتتة مجتمعيًا، متناحرة أيديولوجيًا وفي المحصلة تصبح تلك الأنظمة بكل استبدادها وطغيانها وجرائمها هي الرابط الوحيد المشترك بين فئاته.
اختلاف الآراء والمذاهب بمختلف أشكالها وإشكالاتها الدينية والدنيوية هو سنة من السنن الكونية وجوهره الأساسي الذي ينفي عنه صفة التطرف والمغالاة والعنصرية والتعصب والإقصاء هو الاعتراف بحق الآخرين في تبني وجهة نظر أو رأي مختلف حول قضية ما دون الانتقاص منهم.
بقلم: جمال الهواري

جمال الهواري