كتاب وأراء

الإسلام والحضارة

كان المسلمون هم رواد الحضارة في العصور الوسطى في حين كانت أوروبا وبقية العالم في مرحلة التخلف والجهل التي يطلقون عليها «عصور الظلام» وفي ظل الحضارة الإسلامية واجه المسلمون عملاقين عظيمين هما دولة الروم ودولة الفرس، وكان سلاح الإيمان أقوى من كل أسلحة العالم، وبالإيمان تمكن المسلمون من تثبيت دعائم حضارتهم دون أن يذوبوا في هذه الحضارات بل إن هذه الحضارات هي التي ذابت في حضارة الإسلام.
واختلف الحال بعد ذلك حين جاء جيل من المسلمين انبهر بالحضارة الغربية ونسى توجيه الإسلام ببناء الحضارة على العلم والقيم الروحية والأخلاقية، واكتفى هؤلاء باستيراد العلم والتكنولوجيا والمظاهر الكاذبة للحضارة الغربية التي أنتجت ما يفيد البشرية وأنتجت في نفس الوقت الأسلحة النووية والأسلحة الجرثومية والكيماوية، وتسببت في تلوث البيئة العالمية وأسرفت في استهلاك الثروات الطبيعية بينما يدعو الإسلام إلى أن يكون الانتفاع بالطبيعة محدودا بالأمر الآلهي الذي أعطى للقانون الأخلاقي مضمونه وألزم المسلمين بإتباعه، فالحضارة بدون أخلاق وقيم لا تعتبر حضارة والعلم بدون القيم والأخلاق لا يعتبر علما.
لذلك تفرغ الدكتور منصور حسب النبي عالم الطبيعة والكيمياء لدراسة المشروع الحضاري الإسلامي الذي جاء لخير البشرية كلها وليس للمسلمين وحدهم، والمعرفة في المفهوم الإسلامي ليست علما وتكنولوجيا فقط بل هي فكر له مرجعية حضارية وله هدف إنساني لتحقيق الخير للبشر جميعا .. ولأن في الغرب مفكرون يدركون رسالة الإسلام الحضارية العالمية فإنهم يحاولون تشويه هذه المقاصد الإنسانية النبيلة ويريدون إطفاء شعلة الإسلام ونشر الكراهية والخوف منه، من ذلك ما شاع عن صراع الحضارات وعن نهاية التاريخ وعن حتمية الصدام بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، ومن ذلك ما نراه من إشعال الفتن بين الدول الإسلامية بل وبين أبناء الشعب الواحد، ومن ذلك أيضا الافتراء الذي يشيعه أعداء الإسلام من أن الإسلام يحمل التخلف لأتباعه ويدعوهم إلى الكسل والتواكل. وغير ذلك مما يصدق قول الله تعالى فيهم وفي أمثالهم (ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) (سورة الكهف: الآية 5)- فالإسلام لا يدعو المسلمين إلى ما وصلوا إليه اليوم من انقسام وجمود ولكن ذلك من تآمر أعدائهم عليهم الذين يريدون استمرار تفوق الحضارة الغربية الاستكبارية الباطشة التي تفرض سطوتها بالقوة وتعمل على نشر القتال والتشريد والإبادة في العالم الإسلامي.
بينما الحضارة الإسلامية تقوم على الإخاء والمساواة بين البشر، ولا تميز بين أبيض وأسود، أو بين مسلم وغير مسلم، ولا بين شرقي وغربي، فالإنسان هو الإنسان في نظر المسلمين له حقوق متساوية وكرامته محفوظة والحضارة الإسلامية لا تفصل بين العلم والدين، أو بين التقدم المادي والتمسك بالقيم الروحية، هي حضارة تقوم على السلام للعالم أجمع وعلى الأمن في كل مجتمع وبين كل طائفة تطبيقا للمبدأ الذي أرساه الرسول صلى الله عليه وسلم (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) والحضارة الإسلامية تهدف إلى إعمار الأرض وليس إلى خرابها والحضارة الإسلامية هي التي أسست للحضارة الإنسانية مبادئ الإخاء والمساواة والحرية الإنسانية والعدل والالتزام بالحق والخير واحترام الإنسان الذي كرمه الله بقوله (ولقد كرمنا بني آدم) (سورة الإسراء: الآية 70) فالكرامة والتكريم في حضارة الإسلام لكل إنسان من بني آدم وليست للمسلمين وحدهم ذلك لأن الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية لخير البشر جميعا.

بقلم : رجب البنا

رجب البنا