كتاب وأراء

كيف لو خرج شاهراً سيفه ؟

قال أبو ذر الغِفاري رضي الله عنه: عجبت لمن لا يجد قوت يومه، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه؟
سيدي أبا ذرّ وقد قال عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر» وقال أيضاً «يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده». لقد خرج دون السيف، لا يريد عرشاً ولا سلطاناً، سوى أن يطعم نفسه وزوجه وأولاده من مال حلال؟ ولكن عسكر السلطان كثيرون، رماحهم طويلة، وسيوفهم صقيلة، يكشرون كالضباع في وجوه الناس، ويلعب بهم الوسواس الخناس، فإذا رأوه يخرج مطالباً بحقه، ولا يريد سوى رزقه، «جاهدوا» فيه حق الجهاد، وجعلوه عبرة للعباد.
ظلموك يا سيدي، وحاربوك، ولكنك لا تعرف شيئاً عما صاروا يفعلون بمن يقول «لا». هل بلغك نبأ التنور؟ ليس التنور الذي يُخبز الخبز فيه، بل التنور الذي يُحمى على من تجرّأ على قاعدة الدهور (أمطري حيث شئت «فسيأتيني» خراجك) وثمة تنور آخر لم يخطر ببال الشيطان، تنور من حديد يُحبس فيه الإنسان، ومن جدران التنور الداخلية تنبثق نصال، ثم يُحمى، ويحرك ذاك المسكين، فيُشوى بينما تخترق جسمه السكاكين. أنت لا تعرف شيئاً عما أعدوا لمن يطالب بقوت يومه، إنه يلاقي ما يجعله ينسى اسم أمه، تعذيب واقتلاع للأظافر، وتقطيع للأطراف، وسحل للعيون يجعل الزير يخاف، وجلد بسياط أطرافها كصغير الخناجر، يا سيدي، لقد تفوق الإنسان في تعذيب أخيه على الشيطان، فكيف تريد من هذا المسكين أن يخرج على الناس شاهراً سيفه؟
لقد جاع الناس في زمانك، ولكنهم لم يلاقوا المحن، هل بحث الناس عن طعامهم في الدِمن؟ (الدمن جمع دمنة أي المزبلة) تجار قريش ظلـّوا تجاراً، وما عاد الناس كما ولدتهم أمهاتهم أحراراً. قلت لمعاوية عندما دعاك إلى الإفطار على مائدته في رمضان، وكنت بالحق تنطق بلسان: هل يفطر جميع الناس على مثل هذا؟ وأبيت، ولم يستطيعوا شراءك بأموالهم، لأنك وقفت مع الفقراء في آمالهم، وإلى «الربذة» نفوك، لكنهم لم يعتقلوك ويعذبوك، لكنهم لم يطلبوا أن تكفر بدين محمد، وتصلي للقائد الأوحد
سيدي.. جاء بعدك من جعلوا الخلافة كسروية قيصرية، منهم عبد الملك بن مروان الذي قال: والله لا يقولنَّ لي أحد اتَّق الله إلا ضربت عنقه، وفعلها، فقد سلط كلبه الثقفي على المسلمين فقتل ثلاثمائة ألف منهم، وما زال نسله يحكمون.
{ للكاتب الشاعر المترجم الراحل ممدوح عدوان (1941-2004) مسرحية بعنوان «كيف تركت السيف»
بقلم: نزار عابدين

نزار عابدين