كتاب وأراء

كــثــيــراً مـــا نـــقـــــرأ

كتب: نزار عابدين
أديب وإعلامي سوري
انتشرت في الآونة الأخيرة كلمات صرنا نرددها باستمرار، وكان هذا بسبب جائحة الكورونا أو للدقة COVID 19 أي منذ أوائل العام، ولعلكم لاحظتم أنني قلت «جائحة» فما معناها؟ ولماذا استقروا على هذه التسمية؟
قبل ذلك ما زلنا جميعاً نسميها كورونا وهذا خطأ، لأن فيروسات كورونا مجموعةٌ من الفيروسات تُسبب أمراضًا للثدييات والطيور. يُسبب الفيروس في البشر عدوى في الجهاز التنفسي تتضمن الزكام وعادةً ما تكون طفيفة، ونادرًا ما تكون قاتلة مثل المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وقد اكتُشِفت فيروسات كورونا في عقد 1960، وكان أولها فيروس التهاب القصبات المعدي في الدجاج، وفيروسان من جوف الأنف لمرضى بشر مصابين بالزكام سُمّيا فيروس كورونا البشري 229E وفيروس كورونا البشري. منذ ذلك الحين تم تحديد عناصر أخرى من هذه العائلة بما في ذلك: فيروس كورونا سارس سنة 2003، فيروس كورونا البشري NL63 سنة 2004، فيروس كورونا البشري HKU1 سنة 2005، فيروس كورونا ميرس سنة 2012، وفيروس كورونا الجديد.
سموه أولاً «وباء» ثم غيروا التسمية إلى «جائحة». الوباء كل مرض عام ينتشر بين الناس كالجدري والكوليرا والطاعون وغيرها، و«الجائحة» هي الوباء، وسمي بهذا لأنه يجتاح، فالكلمة أعم وأشمل.
- ومنذ أوائل هذا العام عندما اجتاحنا هذا المرض القاتل سمعنا كثيراً كلمة «كمّامة» وثمة اتفاق على أن تلفظ بتشديد الميم الأولى، لكنني سمعت مذيعاً في إحدى الفضائيات يقول «كِمامة» فهل هو مصيب ونحن مخطئون؟ أم العكس صحيح؟
الكِمامُ والكِمامَةُ أيضاً: ما يُكَمُّ به فمُ البعير لئلا يعضّ، لم يكن ذلك المذيع مخطئاً إذن، وجاء في لسان العرب: كمَّ الكبائس يكُمُّها كمّاً وكمَّمها جعلها في أغْطِية تُكِنـُّها كما تُجعل العَناقيد في الأَغطِية إلى حين قطفها، واسم ذلك الغِطاء الكِمام، مرة أخرى لم يخطئ الرجل. ويقال كُمِّمَ الفصِيل أيضاً (ولد الناقة عندما يُفطم)، فتكون الكمّامة الاسم المؤنث لأداة التكميم، وكلمة «التكميم» سيئة الوقع في الأذن العربية، إذ ترتبط بقمع الحريات وتكميم الأفواه والاستبداد، ومما يشتق هنا كلمة «الكُمّ» وهو كمُّ القميص، وهو عند العرب منذ القديم وشرحه: الكُمُّ من الثوب مَدْخل اليد ومَخْرجُها والجمع أكْمام، وفي الملابس حديثاً قميص «نص كم» وهو الكم القصير، واستعار العامة هذا التعبير لوصف الإنسان السيئ.
- ومن الكلمات التي سمعناها كثيراً وما زالت تتردد على الألسن كلمة «الحَجْر» فتسمع بالحجر الصحي، والحجر في المنزل، وتسمع بالعزل، فما الفرق بينها؟
الجذر في الحالات كلها «حجر» فإذا كانت بفتح الجيم فإنها «حجَر» وهو الصَّخرةُ، والجمع في القلة أحجارٌ، وفي الكثرة حِجارٌ وحجارَةٌ، وإذا كانت بكسر الحاء «حِجر» وحَجْرُ الإِنسان وحِجْرُه (بالفتح والكسر) حِضْنُه، وفي سورة النساء في حُجُوركم من نسائكم، واحدها حَجْرٌ (بفتح الحاء) يقال حَجْرُ المرأة وحِجْرُها حِضْنُها، والجمع الحُجُورُ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حَجْر وَلِيِّها، ويجوز من حِجْرِ الثوب، وهو طرفه المتقدم، لأَن الإِنسان يرى ولده في حِجْرِه، والحَجْرُ: المنعُ، تقول: حَجَرَ عليه يَحْجُرُ حَجْراً وحُجْراً وحِجْراً وحُجْراناً وحِجْراناً مَنَعَ منه، كأن يحجر القاضي على الطفل والسفيه والمجنون يمنعه من استخدام ماله مخافة أن يبدده، ولا حُجْرَ عنه: أَي لا دَفْعَ ولا مَنْعَ، والعرب تقول عند الأَمر تنكره حُجْراً له (بالضم) أَي دفعاً، وهو استعارة من الأَمر. ويقال هم في حِجْرِ فلانٍ، أي في كَنَفِه ومَنَعَتِه ومَنْعِهِ كله واحد، ومن هنا جاء اسم «الحجرة» من البيوت لمنعها المال، والجمع حُجْراتٌ وحُجُراتٌ وحُجَراتٌ. تقول احْتَجَرْتُ حُجْرَةً أَي اتخذتها، والجمع حُجَرٌ، مثل غُرْفةٍ وغُرَفٍ وحُجُرات (بضم الجيم) وفي الحديث أنه احْتَجر حُجَيْرَةً بخَصَفةٍ أَو حَصِير، الحجيرة تصغير الحُجْرَة وهي الموضع المنفرد، وفي الحديث من نام على ظهْرِ بَيْتٍ ليس عليه حِجارٌ فقد برِئتْ منه الذمة.
الأصل إذن في «حجَرَ» منع، لكن الحجْر الصحي أقرب إلى العزْل، ومفهومه حالياً عزل المرضى عن بقية الناس في أمكنة مخصصة لهم (قد تكون مستشفيات) حيث تتوفر ظروف خاصة، ووسائل علاج ومساعدة، حتى يتعافى المريض.
- وترددت كلمة «العزل» وإن كانوا يردفونها دائماً بكلمة «الصحي أو الطبي» والأصل فيما يشتق كله فعل «عزَل». عَزَلَ الشيءَ يعْزِله عَزْلاً وعَزَّلـَهُ فاعْتَزَلَ وانْعَزَلَ وتَعَزَّلَ: نَحَّاه جانِباً فتَنَحَّى، ولاحظوا كم هي شائعة ومعروفة هذه الكلمات: عزله، وتتردد في السياسة، وتتردد في الفن «اعتزل»، وهي في الاجتماع والأدب، ونسمع أحياناً بالرئيس المعزول أو الوزير المعزول. وتعازَلَ القومُ انْعَزلَ بعضُهم عن بعض، والعُزْلة الآنْعِزال نفسُه، يقال العُزْلةُ عِبادة، وكُنْتُ بمَعْزِلٍ عن كذا وكذا: أَي كُنْتُ بموْضعِ عُزْلةٍ منه، واعتزَلتُ القومَ أي فارَقتهم وتنَحَّيت عنهم، وتذكرون فرقة «المعتزلة» وأصل تسميتهم أن واصل بن عطاء اختلف مع شيخه الحسن البصري في مجلسه العلمي في الحكم على مرتكب الكبيرة، وكان الحكم أنه ليس بكافر. وتقول الرواية إن واصل بن عطاء لم ترقه هذه العبارة وقال هو في (منزلة بين منزلتين)، أي لا مؤمن ولا كافر. وبسبب هذه الإجابة اعتزل مجلس الحسن البصري وكوّن لنفسه حلقة دراسية وفق ما يفهم، ولحق به آخرون، ويقال إن الحسن البصري أطلق عبارة (اعْتزَلنا واصل).
- أما الكلمة التالية فإنها منتشرة كثيراً قبل الجائحة، ولكنها زادت وعمت في بلاد لم تكن تنتشر فيها، إنها «التجول والتجوال» وقد اعتدنا سماع عبارة «منع التجول» في بلدان كثيرة: في أعقاب انقلاب عسكري، أو حين حدوث اضطرابات، أو حتى في حال حدوث حدث طبيعي أخذ شكل المأساة، لأن بعض ضعاف النفوس وميتي الضمائر يستغلون هذه الظروف لارتكاب جرائم القتل والسلب والسرقة والاغتصاب، لكن السؤال هو: أيهما أصح «التجول» أم «التجوال»؟ المعجم هو الحكم.
جال في الحرب جَوْلة، وجالَ في التَّطواف يجُول جَوْلاً وجَوَلاناً، وتَجاوَلوا في الحرب أَي جال بعضهُم على بعض، وكانت بينهم مُجاوَلات، والتَّجْوال التـَّطواف، وجالَ واجْتال إذا ذهب وجاء، ومنه الجَوَلان في الحرب، يقال جال يَجُول جَوْلة إذا دار، ومنه الحديث: للباطل جوْلة ثم يضْمَحِلُّ، وجَوَّلْتُ البلادَ تجويلاً، أي جُلْت فيها كثيراً، وجَوَّل في البلاد أي طَوَّف، وجَوَّل تَجْوالاً عن سيبويه، والتَّفْعال بناء موضوع للكثرة، كفَعَّلْت في فَعَلت، وجَوَّل الأَرضَ جالَ فيها، وجال القومُ جَوْلة إذا انكشفوا ثم كَرُّوا.
يجب أن ننتبه إلى أن المصدر مشتق من الفعل «جوَّل وتجوَّل» وفي السطور السابقة رأينا أن المصدر «تَجوال» ولم يرد بصيغة «تجوّل»، قال المتنبي:
حَــتّـى غــدَوتَ وَلِلأَخـبـارِ تـَجـوالُ
وللكـواكِــبِ فـــي كــفـَّـيـــكَ آمــالُ
وقال ابن الرومي:
كأني أرى تجـوالَ عـيـنيك لم تُـرَعْ
بـرَوعٍ ولم تُـشـغَـلْ بتـلك الشواغـلِ

نزار عابدين